بعض الأخبار التى لا تكون رقم 1 أو 2 فى ترتيب النشرات الإخبارية قد تكون أخطر وأصعب من الأخبار الرئيسية التى تحتل مقدمة وعناوين النشرات، هذا بالضبط ما يحدث مع ملف الضفة الغربية، حيث تحتل الصدارة الآن أخبار إيران و غزة و فنزويلا وجرينلاند وأوكرانيا، فى حين قد نجد فى ذيل النشرة أو فى منتصفها خبراً مقتضباً عن توغل استيطانى بالصفة الغربية وسط صمت دولى عاجز لا يحرك ساكنا، ففى الأسبوع الاخير من عام 2025، وافق المجلس الوزارى الأمنى الإسرائيلى المصغر «الكابينت» على إقامة 19 مستوطنة جديدة فى أراضى الضفة الغربية المحتلة، وتشهد الضفة تصاعدا فى التوغل الاستيطانى بدأ منذ عقود ولكنه تسارع بشكل غير مسبوق فى العامين الأخيرين، وهدفه إفراغ البلاد من سكانها الفلسطينيين، وتشير التقديرات إلى بناء ما يقرب من 50 ألف وحدة سكنية استيطانية فى 49 مستوطنة جديدة، وضم 26 ألف دونم من أراضى الضفة الغربية، إضافة لتبنى سياسات أضعفت السلطة الفلسطينية وحرمتها من مواردها المالية، وترافق ذلك زيادة فى عنف المستوطنين وقوات الجيش والشرطة الإسرائيلية.
معدلات الانتهاكات زادت بصورة خطيرة منذ تشكيل أكثر الحكومات يمينية فى تاريخ إسرائيل عقب انتخابات نوفمبر 2022، والتى أفضت إلى تحالف حزب نتنياهو «الليكود» مع أحزاب اليمين الإسرائيلى المتطرفة.
الغريب أن هذا يحدث دون أن تتخذ أى إدارة أمريكية ديمقراطية أو جمهورية إجراءات ضد هذه الممارسات الإسرائيلية، صحيح كانت هناك عدة محاولات على مر السنين لتجميد الاستيطان، فقدم الرئيس بوش الابن خارطة طريق، وحاول أوباما، مع المبعوث جورج ميتشل، ولكنها محاولات غير فاعلة للوصول إلى تجميد حقيقي، الإدارات الأمريكية المتعاقبة تعاملت مع قضية المستوطنات فى الضفة الغربية بطريقة غير فعالة، وربما أبطأت الاستيطان فى أحسن الأحوال، الرئيس دونالد ترامب سبق وأعلن عن عدم التوافق مع إسرائيل حول ما يحدث فى الضفة، وصرّح فى أكتوبر الماضى بأن إسرائيل لن تتحرك فى اتجاه الضم الرسمى للضفة الغربية، واضعا هذا الموقف فى سياق الوفاء بالتزاماته تجاه الدول العربية، وحذّر من أن إسرائيل ستفقد دعم واشنطن إذا مضت فى سياسة الضم؛ لكن كل هذا يؤخذ فقط كتصريحات غير مفعلة.
كشفت الكاتبة عاميرا هس فى صحيفة هآرتس الإسرائيلية الأسبوع الماضى عن مخطط كبير تحت مسمى «خطة الحسم» يجرى تنفيذه فى الضفة الغربية، وهدفه الرئيسى تهجير الفلسطينيين منها، ووصفت التغييرات الجارية فى الضفة بأنها هيكلية وعميقة وتحدث بسرعة البرق، والمتطرفون يستغلون انشغال العالم والمعارضة بحرب غزة لتنفيذ عملية طرد وتهجير صامتة للمجتمعات الرعوية الفلسطينية.
السؤال: لماذا تصمت واشنطن عما يحدث فى الضفة الغربية والقدس رغم نفوذها الكبير على إسرائيل؟ الإجابة من كلمتين هما «اللوبى الصهيوني» صاحب التأثير الكبير على السياسيين الأمريكيين والذى جعل من غير المرجح جدا أن تضغط الولايات المتحدة على إسرائيل لإنهاء توسع المستوطنات، فمع إطلاق يد استغلال التبرعات فى الحملات الانتخابية الأمريكية عقب صدور قرار المحكمة العليا عام 2010، أصبح تأثير المصالح الخاصة على السياسة الأمريكية أقوى بشكل كبير، مما زاد من ثقل جماعات الضغط ولا سيما الإسرائيلية، فمثلا تُعد القاعدة الشعبية الإنجيلية المؤيدة للرئيس ترامب من أهم وسائل الضغط لاستمرار الصمت الأمريكى على أنشطة الاستيطان الإسرائيلى بالضفة، يكفى نفوذ لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك» وهى مجموعة ضغط تدافع عن السياسات المؤيدة لإسرائيل لدى السلطتين التشريعية والتنفيذية للولايات المتحدة. فتقول إن لديها أكثر من 5 ملايين عضو و17 مكتبًا إقليميًا ومجموعة كبيرة من المانحين، وعلى رأس التيار المؤيد لإسرائيل يأتى القس مايك هاكابي، سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، فهو صهيونى أكثر من نتنياهو ولا يتوقف عن كشف دعمه لما يراه حقّا إسرائيليا فى إنشاء مستوطنات «يصفها بالتجمعات السكانية»، ويدعم ضم إسرائيل للضفة باعتباره «أمرا ربانيا».
الخلاصة أن ملف الضفة الغربية وما يحدث بها من انتهاكات ينبغى أن يتصدر الاهتمامات لاسيما وأن دارة ترامب لم تتخذ أى إجراءات عملية تعكس رغبتها فى وقف عمليات الضم الممنهج وبناء البؤر الاستيطانية غير الشرعية التى تزيد التضييق على فلسطينيى الضفة، وفيما يخص انتهاك القانون الدولى فلا أعتقد أن الاخير ذو مكانه عند الرئيس ترامب.









