من يقرأ مسار الدولة المصرية خلال العقد الأخير، يدرك أن ما جرى لم يكن مجرد إدارة يومية لشئون الحكم، بل سلسلة من المعارك الكبري، لكل منها منطقها وأدواتها وخطابها. وفى مقدمة هذه المعارك، وقف السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى فى الصفوف الأولي، لا كمجرد رئيس دولة، بل كقائد مشروع، يخوض مع شعبه غزوات مصيرية، كان الفشل فى أى منها كفيلًا بإسقاط الدولة نفسها.
>>>
المعركة الأولى كانت معركة البقاء.
معركة مواجهة الإرهاب والخوارج، أولئك الذين تاجروا بالدين، وعبثوا بمقدرات الوطن، وسعوا إلى اختطاف الدولة وتحويلها إلى رهينة فى يد جماعات الظلام. لم تكن المواجهة سهلة، ولم تكن فقط بالسلاح، بل بالوعي، وبإعادة تعريف معنى الوطن، والدين، والانتماء. كانت معركة قاسية، سالت فيها دماء، ودُفعت فيها أثمان باهظة، لكنها انتهت بانتصار أهل الخير من المصريين على أهل الشر، وبإغلاق أخطر فصل فى تاريخ الدولة الحديثة.
>>>
ثم جاءت المعركة الثانية: معركة البناء.
بناء ما تهدّم، وإقامة ما لم يكن موجودًا أصلاً. بنية تحتية كانت غائبة أو متهالكة، دولة تعيش على المسكنات، واقتصاد يئن تحت وطأة الإهمال لعقود طويلة. فى هذه المرحلة، تغيّر الخطاب، وتغيّرت الأولويات. أصبح الحديث عن الطرق، والكهرباء، والموانئ، والمدن الجديدة، والربط بين أطراف الدولة، واستعادة مفهوم «الدولة القادرة».
كانت معركة استنزفت موارد ضخمة، وواجهت تشكيكًا وسخرية وضغوطًا داخلية وخارجية، لكنها كانت – رغم كل شيء – ضرورة وجودية، لا رفاهية سياسية.
>>>
واليوم، تدخل مصر معركتها الثالثة، وربما الأخطر: معركة جدارة التعليم وبناء العقول، المتابع الأمين لخطابات الرئيس، ولمداخلاته المتكررة، سيلاحظ بوضوح أن هناك تحوّلاً فى مركز الاهتمام. لم يعد الحديث الأساسى عن الإرهاب، ولا عن المشروعات والطرق فقط، بل عن الإنسان نفسه: كيف نفكر؟ كيف نُعلّم؟ كيف نكتشف الموهوبين؟ وكيف نُعدّ أجيالاً قادرة على إدارة دولة، لا مجرد العيش فيها؟
>>>
الرئيس لا يتحدث عن التعليم بوصفه ملفًا إداريًا، بل باعتباره معركة مصير. نبرة صوته، وتكرار حديثه، وصرخاته الواضحة: «استيقظوا.. بلدكم فى انتظاركم»، كلها إشارات إلى إدراك عميق بأن ما بُنى على الأرض لن يصمد طويلاً إن لم يُدعّم ببناء حقيقى للعقل والوعي.
>>>
وهنا تحديدًا تكمن خطورة المعركة الثالثة.
فالإرهاب عدو واضح، والبنية التحتية تُقاس بالأرقام والإنجازات، أما التعليم، فهو معركة طويلة النفس، نتائجها لا تظهر سريعًا، وأعداؤها ليسوا دائمًا مرئيين: البيروقراطية، الجمود، ثقافة الحفظ، الخوف من التغيير، والمصالح المستقرة داخل منظومة متهالكة.
>>>
إن الرئيس حين يتحدث عن جودة التعليم، لا يقصد مبانى جديدة فقط، ولا مناهج مُلوّنة، بل يقصد تغييرًا جذريًا فى طريقة التفكير: تعليم يُنتج عقلًا ناقدًا، لا تابعًا؛ مبدعًا، لا حافظًا؛ مشاركًا، لا متفرجًا. تعليم يكتشف الموهبة، لا يدفنها؛ ويصنع إنسانًا قادرًا على المنافسة فى عالم لا يرحم الضعفاء.
>>>
ومن هنا، يصبح الإنفاق على التعليم ليس ترفًا، بل فرض عين.
فنحن أمة فقيرة، نعم، لكن فقرنا الحقيقى ليس فى المال، بل فى المعرفة. ولا سبيل للخروج من دائرة الفقر إلا بالاستثمار السخى فى التعليم، حتى لو بدا ذلك مكلفًا فى الحاضر، فهو الأرخص فى المستقبل.
>>>
المعركة الثالثة ليست معركة الرئيس وحده، بل معركة مجتمع بأكمله: دولة، ومؤسسات، وأسر، ونخب، وإعلام. إما أن ننتصر فيها، فنحجز مكاننا فى المستقبل، أو نتقاعس، فنترك ما بُنى عرضة للانهيار.
إنها معركة الوعي.. ومعركة البقاء القادمة.









