سؤال يبدو بسيطًا فى صياغته، لكنه بالغ التعقيد فى مضمونه. فالإجابة الدقيقة عنه لا تتعلق بإيران وحدها، بل بمنظومة الهيمنة الأمريكية، وبكيفية إدارة واشنطن لتحولات النظام الدولى فى مرحلة تتسم بالاضطراب، وتراجع القدرة على الضبط الكامل، وصعود قوى منافسة.
> > >
منذ الثورة الإيرانية عام 1979، لم تكن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد خلاف سياسى أو أيديولوجى، بل صراع على الدور والمجال والنفوذ. إيران ليست دولة «مزعجة» فقط، بل مشروع إقليمى بديل، يمتلك سرديته، وشبكة نفوذه، وقدرته على تعطيل الخطط الأمريكية فى الشرق الأوسط، من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن.
> > >
الولايات المتحدة، ببساطة، لا تريد من إيران أن تكون «إيران الحالية».. لا تريدها دولة مستقلة القرار، ولا قوة إقليمية قادرة على تهديد حلفائها، ولا نموذجًا يمكن أن يُحتذى به فى مقاومة النفوذ الأمريكى، حتى لو كان هذا النموذج مثقلاً بالتناقضات الداخلية.
> > >
لكن هل الهدف هو إسقاط النظام الإيرانى؟
الإجابة الأقرب للدقة: ليس بالضرورة، وليس بالمعنى الكلاسيكى.
التجربة الأمريكية مع إسَقاط الأنظمة – من العراق إلى أفغانستان – كانت مكلفة وفاشلة. إدارة ترامب، رغم خطابها التصعيدى، لاتميل إلى حروب احتلال طويلة، ولا إلى إعادة إنتاج نموذج صدام حسين أو طالبان. ما تريده واشنطن اليوم هو تحجيم إيران، لاتفجيرها، وإعادة تعريف دورها، لا محوها من الخريطة.
> > >
الحديث عن حاملات الطائرات، وبنك الأهداف، واستنفار القواعد، ليس مجرد استعراض قوة، لكنه أيضًا ليس إعلان حرب شاملة. إنه جزء من إستراتيجية ضغط مركّب: عسكرى، اقتصادى، نفسى، وإعلامى. الهدف هو دفع إيران إلى أحد خيارين:
إما القبول بإعادة التفاوض من موقع ضعف، أو الانزلاق إلى رد فعل محسوب يسمح بضربات موجعة دون حرب شاملة.
> > >
النموذج الأقرب هنا ليس العراق، بل فنزوِيلا.
لم تُسقط واشنطن مادورو عسكريًا، لكنها نجحت فى شلّ دولته، وخنق اقتصاده، وعزله سياسيًا، وتحويله إلى عبء حتى على حلفائه. والسؤال اللافت هنا: أين مادورو اليوم؟ لم يسقط، لكنه اختفى من التأثير، ومن الخطاب العالمى، وحتى من ذاكرة أنصاره.
> > >
إيران، بالطبع، ليست فنزويلا.
لديها عمق حضارى، وقوة عسكرية حقيقية، وشبكات إقليمية فعَّالة، ومجتمع سياسى أكثر تعقيدًا. لكنها، فى المقابل، تواجه ضغوطًا داخلية هائلة، واقتصادًا منهكًا، ونخبة حاكمة تعانى من تآكل الشرعية، وصراع أجنحة مكتوم.
> > >
الولايات المتحدة تراهن على الزمن بقدر ما تراهن على القوة. تريد إيران أضعف، أكثر انشغالاً بنفسها، أقل قدرة على المبادرة، وأكثر استعدادًا للمساومة. ولا يهم كثيرًا من يحكم طهران، طالما أن القرار الإستراتيجى لم يعد يتحدى واشنطن.
> > >
أما السؤال الأوسع: ماذا بعد إيران؟
فهو يكشف قلقًا مشروعًا. فالإمبراطوريات لا تتحرك بلا تسلسل. لكن من الخطأ تصور أن أمريكا تنتقل من دولة إلى أخرى كما فى لعبة دومينو. لكل ساحة حساباتها. جرينلاند كانت ملفًا اقتصاديًا – إستراتيجيًا، المكسيك ملفًا أمنيًا – حدوديًا، وأمريكا اللاتينية ساحة نفوذ تقليدية تُدار بأدوات ناعمة أكثر من الصواريخ.
> > >
إيران حالة خاصة، لأنها تقع عند تقاطع ثلاث أزمات أمريكية:
أزمة الشرق الأوسط المزمنة،
وأزمة الصعود الصينى،
وأزمة تراجع الردع الأمريكى.
> > >
لذلك، ما يجرى ليس تمهيدًا لحرب كبرى، بل محاولة لإعادة ترتيب الإقليم قبل أن تفرض القوى الأخرى ترتيبها الخاص.
والسؤال الحقيقى ليس: هل ستُضرب إيران؟
بل: كيف ستخرج إيران من هذه المرحلة، وبأى ثمن، وبأى دور؟
> > >
هذا هو جوهر الصراع، وما عداه ضجيج








