لا يعد معرض القاهرة الدولى للكتاب مجرد سوق سنوية لبيع الكتب، بل هو ظاهرة ثقافية واجتماعية فريدة تشكل الوجدان العربى وتحدد ملامح الحراك الفكرى فى المنطقة، منذ انطلاقه لأول مرة فى عام 1969، تحول المعرض إلى مدينة ثقافية متكاملة تجمع بين الأدب والفن والفلسفة، والترفيه المعرفي، مما يجعله أحد أكبر وأهم المعارض فى العالم.
وتتنوع الأنشطة الثقافية فى المعرض لتشمل طيفاً واسعاً يرضى كافة الفئات العمرية والخلفيات الفكرية، ويمكن تقسيم هذا الحراك الثقافى إلى عدة محاور رئيسية. وهي:
البرنامج الثقافى الرئيسى الذى يشمل الندوات والمؤتمرات وقد شاركت هذا العام بورقة علمية حول أدوار أحمد لطفى السيد فى الصحافة المصرية ضمن مؤتمر عقدته جامعة القاهرة بالإشتراك مع الهيئة المصرية للكتاب .ويشكل البرنامج الثقافى العمود الفقرى للمعرض، حيث تقام مئات الندوات والمحاضرات التى تستضيف كبار الأدباء والمفكرين من مصر والعالم.
تطرح فيها قضايا ملحة للنقاش، مثل تجديد الخطاب الديني، ومستقبل الذكاء الاصطناعى فى الإبداع، وقضايا الهوية الوطنية.
يتم اختيار رمز ثقافى كل عام مثلما حدث هذا العام باختيار الأديب العالمى نجيب محفوظ لتسليط الضوء على منجزهم الفكرى من خلال ندوات متخصصة وإعادة طبع أعمالهم. أما القاعة الدولية فتستضيف كتاباً ومبدعين من مختلف دول العالم لتعزيز التبادل الثقافى العابر للحدود.
والمعرض ليس صامتا، بل هو حى بالأصوات والألوان. فالأنشطة الفنية جزء لا يتجزأ من تجربة الزائر. وتقدم فرق الفنون الشعبية رقصات وأغانى تعكس التراث المصرى الأصيل مثل رقصة التنورة وصعيد مصر.
تخصص ساحات لعرض أفلام وثائقية أو مسرحيات قصيرة تهدف إلى نشر الوعى الثقافى والاجتماعى وتستضيف ساحات المعرض فرقاً موسيقية شبابية ومستقلة، مما يضفى جواً من البهجة الحيوية على المكان.
يولى المعرض اهتماماً فائقاً بالأطفال من خلال صالة مخصصة، لا تكتفى ببيع القصص، بل تقدم تجربة تعلم متكاملة، إضافة إلى ورش الحكي، حيث يجتمع الأطفال حول الحكواتى لسماع قصص تنمى خيالهم. وكذلك الورش اليدوية والفنية، لتعليم الرسم والتلوين وصناعة العرائس، مما يربط الطفل بالثقافة منذ الصغر. وكذلك استخدامات الأجهزة الذكية بشكل تعليمى ومفيد. وتعد حفلات التوقيع هى اللحظة الأكثر حيوية، حيث يلتقى القارئ بكاتبه المفضل وجهاً لوجه. هذه اللقاءات تخلق حالة من التواصل المباشر الذى يكسر الحاجز بين المبدع والمتلقي، وتتحول منصات دور النشر إلى ساحات للنقاشات العفوية حول الروايات والكتب الصادرة حديثاً. فى السنوات الأخيرة شهد المعرض طفرة فى الأنشطة الرقمية التى تتيح للزوار البحث عن الكتب والناشرين عبر تطبيقات الموبايل. واستخدمت هذه التقنية لعرض قصص للأطفال أو جولات افتراضية فى مواقع أثرية، مما يربط الكتاب بالوسائط الحديثة ولا تقتصر فائدة هذه الأنشطة على الجانب الفكرى فقط، بل تمتد لتنشيط السياحة الثقافية؛ حيث يزور المعرض مئات الآلاف من العرب والأجانب، مما يجعل القاهرة خلال فترة المعرض مركز ثقل عالمى للثقافة والجمال. إن الأنشطة الثقافية فى معرض الكتاب هى الرئة التى يتنفس بها المجتمع، وهى التى تحول القراءة من فعل فردى إلى ممارسة اجتماعية جماعية. إنها دعوة دائمة للعقل ليتأمل، وللقلب ليستمتع وللجيل الجديد ليتعلم أن الكتاب هو خير جليس، وأن الثقافة هى الدرع الحقيقية لأى أمة تطمح للرقى.









