الذكاء الاصطناعي يمتلك السرعة، لكن الإنسان يمتلك المعنى.. هذا ما أكده مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، والذي عُقد الشهر الماضي بالقاهرة، حيث التقت الشريعة بالتكنولوجيا لبحث مستقبل العمل.
جاء مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ليطرح تساؤلًا جوهريًا: كيف نصون “إنسانية” المهن في ظل هيمنة الذكاء الاصطناعي؟ لم تكن النقاشات مجرد استعراض للتقنيات، بل كانت نداءً لاستعادة الأخلاقيات كبوصلة توجه الخوارزميات.. فالتكنولوجيا بلا قيم هي سرعة بلا اتجاه، والذكاء الحقيقي هو الذي يعزز كرامة الإنسان ولا يستبدلها.
فلم يعد الجدل حول الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على كفاءته التقنية أو قدرته على تسريع الإنتاج، بل تجاوز ذلك إلى سؤال أعمق: أي إنسان نريد في عصر الخوارزميات؟ فالتقدم التكنولوجي، مهما بلغ من الدقة والسرعة، يظل أداة بلا روح إذا انفصل عن منظومة قيم تضبط اتجاهه وتحفظ كرامة الإنسان.
إن مشكلات التخلف والفراغ القيمي لا تُعالج باستيراد تقنيات جاهزة أو تقليد نماذج متقدمة، بقدر ما تُعالج بإصلاح الإنسان ذاته: علاقته بالقيم، وبالوقت، وبالعمل.
فالعمل في الرؤية الإسلامية ليس مجرد وسيلة للكسب، بل مسؤولية أخلاقية وأمانة اجتماعية ومشاركة واعية في عمارة الأرض. ومن دون هذا الوعي، تتحول المهن- حتى الأكثر تطورًا- إلى وظائف بلا معنى، وقد تصبح أدوات للهيمنة بدلاً من أن تكون وسائل للبناء.
وتبرز هنا أهمية تجديد الخطاب الديني، لا بوصفه تغييرًا في الثوابت، بل استعادة لوظيفته الأخلاقية والإنسانية. فالفكرة الدينية حين تستيقظ في ضمير الإنسان تتحول إلى طاقة تضبط السلوك، وتحرر العقل، وتوجه الغريزة. أما حين تُختزل في طقوس جامدة، فإن الفراغ القيمي يفسح المجال لانفلات الغرائز، وتغدو التكنولوجيا قوة عمياء لا بوصلة لها.
في سياق الذكاء الاصطناعي، يتأكد أن الخطر الحقيقي لا يكمن في تطور الخوارزميات، بل في تراجع المرجعية الأخلاقية التي تحكم استخدامها.
فالذكاء الاصطناعي لا يملك ضميرًا، ولا قدرة على الاجتهاد، ولا حسًا إنسانيًا يوازن بين النص والواقع. ومن ثمّ، لا يمكن أن يكون بديلاً عن العقل الإنساني أو الضمير الديني، بل يجب أن يظل أداة مساعدة في يد الإنسان، لا سلطة معرفية مستقلة تحل محل الفتوى أو القرار الأخلاقي.إن العالم اليوم لا يعاني نقصاً في الخبراء ولا في الكفاءات التقنية، بقدر ما يعاني نقصاً في القيم التي توجه هذه الخبرات. لذلك، فإن تجديد الخطاب الديني في عصر الذكاء الاصطناعي يعني إعادة تأكيد دوره كبوصلة أخلاقية للتقدم، وضمانة لإنسانية الإنسان، حتى يظل التطور العلمي في خدمة العمران لا على حسابه.









