لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت الرقمنة قد دخلت حياتنا العائلية، بل إلى أي مدى أعادت تشكيلها، وبأي كلفة اجتماعية وثقافية. فالأرقام التي كشفت عنها دراسة «كاسبرسكي»، حول أنماط التواصل العائلي عند المصريين تعكس تحولاً عميقاً في مفهوم القرب الأسري، حيث بات 86% من الأفراد يعتمدون على تطبيقات المراسلة، و58% على مكالمات الفيديو، فيما تشارك 44% من العائلات حسابات بث مشتركة.
هذه المؤشرات لا تصف فقط تطوراً تقنياً، بل تعكس تغيراً في بنية العلاقات العائلية نفسها.
من ناحية ظاهرية، يبدو هذا التحول إيجابياً؛ فالتقنية قرّبت المسافات وسهّلت التواصل اليومي بين الأقارب، خصوصاً في مجتمع تتسارع فيه وتيرة العمل والتنقل.
غير أن هذا «القرب الرقمي» يطرح تساؤلات جوهرية حول عمق العلاقة الإنسانية ذاتها. فهل تحوّل التواصل العائلي إلى تفاعل سريع ومجزأ، تحكمه الإشعارات والرسائل القصيرة، على حساب الحوار الحقيقي واللقاءات المباشرة؟ وهل يمكن للرموز التعبيرية ومقاطع الفيديو الطريفة أن تحل محل الجلسات العائلية التي كانت تشكّل العمود الفقري للتواصل الاجتماعي في المجتمع المصري؟
اللافت في نتائج الاستطلاع هو الفجوة الرقمية بين الأجيال. فبينما يتقن الشباب استخدام المنصات الرقمية ويتعاملون معها بسلاسة، ينخرط كبار السن في هذا العالم دون امتلاك أدوات الحماية الكافية.
هذا الخلل لا يقتصر على الجانب التقني، بل يعكس غياب ثقافة رقمية عائلية قائمة على التوجيه والمرافقة.
فالرقمنة لم تُصمَّم لتكون بيئة آمنة بطبيعتها، بل تتطلب وعياً مستمراً، وهو ما لا يتوافر دائماً داخل الأسرة.
الأخطر من ذلك أن التهديدات السيبرانية لم تعد تقنية بحتة، بل باتت نفسية واجتماعية، تعتمد على الهندسة الاجتماعية واستغلال الثقة العائلية.
فالرسائل الاحتيالية التي تتخفى في شكل تواصل مألوف تستغل طبيعة العلاقات الأسرية القائمة على الثقة، ما يجعل العائلة نفسها نقطة ضعف في المنظومة الرقمية، بدلاً من أن تكون خط دفاع.
من هنا، فإن الحديث عن السلامة السيبرانية يجب ألا يُختزل في نصائح تقنية، بل ينبغي أن يُطرح كقضية تربوية واجتماعية. فالعائلة المصرية اليوم مطالبة بإعادة تعريف دورها في العصر الرقمي: من مجرد مستخدم للتقنية، إلى بيئة واعية تُعلّم أبناءها كيف يستخدمونها دون أن تتحول إلى تهديد لهويتهم أو خصوصيتهم أو تماسكهم الاجتماعي.
ختاماً، لا يمكن إنكار أن الرقمنة أعادت رسم ملامح الحياة العائلية، لكنها لم تفعل ذلك مجاناً. فكل رسالة تختصر مسافة، قد تختصر معها مساحة من الحوار، وكل حساب مشترك قد يخفي ثغرة أمنية وأخرى تربوية. والسؤال الأهم الذي ينبغي طرحه اليوم ليس: كيف نتواصل أكثر؟ بل كيف نحافظ على عمق علاقاتنا وأماننا الرقمي في آنٍ واحد؟









