منذ أكثر من عشر سنوات صدر لى كتاب بعنوان «التعليم وسنينه»، حاولت فيه تفكيك مسار إصلاح التعليم فى مصر عبر قرن كامل. واليوم، بعد كل هذه السنوات، أستطيع أن أقول بثقة موجعة: نحن لا نعيش أزمة تعليم، بل نعيش حالة إنكار جماعي. فكل شيء معلوم، وكل شيء مكشوف، وكل شيء مُعاد ومُكرر، ومع ذلك نصرّ على التظاهر بالدهشة وكأن ما يحدث مفاجأة.
>>>
من طه حسين إلى أحدث وزير تعليم، لم يتغير شيء فى جوهر الخطاب: المشكلات نفسها، والحلول نفسها، والتوصيات نفسها. مدارس مكتظة، مناهج عقيمة، معلم مسحوق، وفصل دراسى أقرب إلى مخزن بشري. والحلول محفوظة: مناهج تفكير نقدي، معلم مؤهل، كثافة أقل، ربط بسوق العمل. لكن الحقيقة الصادمة أن هذه ليست المشكلة الحقيقية، بل قشرة المشكلة.
>>>
المشكلة التى لم يجرؤ أحد على تسميتها صراحة هى الأسرة المصرية. نعم، الأسرة، لا الدولة ولا الوزارة وحدهما. الأسرة التى اختزلت التعليم فى «ورقة»، وفى «مجموع»، وفى «شهادة» بلا أى مضمون معرفى أو مهاري. أسرة لا يهمها ماذا تعلم الابن، بقدر ما يهمها أن «يعدى»، ولو بالتحايل، ولو بالغش، ولو بتدمير معنى التعليم نفسه.
>>>
نحن أمام ثقافة ترى الغش حقاً مكتسباً، والدروس الخصوصية ضرورة وطنية، والتحايل على الامتحان «شطارة». ثقافة يتربى فيها الطفل منذ سنواته الأولى على أن القيمة ليست فى الفهم، بل فى النتيجة. وليس أدل على هذا الانفصام الأخلاقى من مشهد بات مألوفاً: أب وأم حريصان على الصلاة، يرفعان أكف الدعاء فى الفجر، لا طلباً لعلم نافع، بل متمنيين أن يكون المراقب «طيب القلب» يسمح بالغش. أى هذا الذى نفعله بأبنائنا؟ وأى مستقبل نصنعه بهذا المنطق؟
>>>
وحين نقول إن ثقافة المجتمع هى حاصل جمع ثقافات الأسر، فإننا لا نلقى اتهاماً جزافياً، بل نصف واقعاً. مجتمع يكافئ الشهادة لا الكفاءة، ويحترم اللقب لا المعرفة، ويصفق للنجاح الشكلي، لا للتعلم الحقيقي. فى هذا المناخ، يصبح أى حديث عن تطوير التعليم حديثاً عبثياً، لأننا نحاول إصلاح مؤسسة داخل بيئة تعادى جوهر الإصلاح.
>>>
الأرقام هنا ليست مجرد إحصاءات، بل صفارات إنذار. أكثر من 200 ألف خريج من كليات الحاسبات ونظم المعلومات يتقدمون لاختبار دولى لاختيار ألف فقط، فلا ينجح سوى 111. ماذا يعنى ذلك؟ يعنى أننا نمنح شهادات، لا نُخرّج متخصصين. وعندما تطلب جهة سيادية 1800 فرد بشرط إجادة القراءة والكتابة، فيتقدم أكثر من 40 ألفاً، ولا ينجح سوى 500، فنحن لا نتحدث عن خلل، بل عن كارثة مكتملة الأركان.
>>>
هذه ليست أزمة تعليم فقط، بل تهديد مباشر للأمن القومي. دولة لا تستطيع الاعتماد على خريجيها فى أبسط المهارات، هى دولة تسير نحو الهشاشة مهما امتلكت من موارد أو مشروعات. الأخطر من ذلك أن المجتمع لا يشعر بالخطر، ولا يمارس أى مراجعة ذاتية، ولا يسأل نفسه: كيف وصلنا إلى هنا؟
>>>
نحن بارعون فى إلقاء اللوم على الحكومات، وأقل براعة ـ بل منعدم البراءة ـ فى نقد أنفسنا. الحقيقة القاسية، التى نحاول الهروب منها، هى أن لدينا خريجى جامعات لا يستطيعون كتابة جملة عربية سليمة، ولا قراءة نص بسيط بفهم. وهذه ليست حالات فردية، بل ظاهرة ممتدة، تغذيها أمية وظيفية وثقافية تضرب فى عمق الوعى المجتمعى.
>>>
ومع ذلك، فإن أخطر ما فى الأزمة ليس حجمها، بل التطبيع معها. اعتدنا الرداءة، وتأقلمنا مع الضعف، وصرنا نبحث عن تبريرات بدل حلول. وإذا استمر هذا المسار، فنحن لا نُنتج جيلاً ضعيفاً فقط، بل نُنتج دولة عاجزة عن المنافسة والبقاء.
>>>
إصلاح التعليم لن يبدأ من الوزارة، ولن تنقذه منصة إلكترونية أو منهج جديد. الإصلاح الحقيقى يبدأ حين تعيد الأسرة تعريف التعليم: من شهادة إلى معرفة، ومن مجموع إلى مهارة، ومن حفظ إلى فهم. دون ذلك، سنظل نضيف سنوات إلى عمر التعليم، بينما ننزع منه روحه، ونكتب بأيدينا شهادة فشل لمستقبل هذا الوطن.









