أصبحت الآن مرتبطة بشباب كثيرين من طلاب المدارس والجامعات، ومع تصاعد حملات التسويق لها، ارتفعت معدلات استهلاكها بشكل ملحوظ خصوصاً فترة الامتحانات، حتى باتت «مشروبات الطاقة» وصفة سحرية لمقاومة الإرهاق والخمول، غير أن موقف جمعنى بأحد أصدقائى المقربين دفعنى للكتابة فى هذا الموضوع، عندما لاحظت إفراطه الشديد فى تناول هذه المشروبات، ظنًا منه أنها السبيل الأسرع للتركيز والانتعاش والسهر لساعات طويلة، وللأسف لم يكن صديقى حالة فردية أو استثنائية، بل هو نموذج متكرر لشباب يبحثون عن طاقة فورية، ولو على حساب صحتهم ومستقبلهم، حاولت أن ألفت انتباهه إلى مكونات هذه المشروبات وتأثيرها القريب والبعيد، وأنبهه إلى ما قد تحمله من أضرار تفوق منافعها اللحظية، إلا أن رده جاء ساخراً وغير مقنع، ومن هنا بدأت فى طرح أسئلة على نفسى عن حقيقة مشروبات الطاقة؟ وهل هى حقًا كما تُقدَّم لنا، أم أنها قنبلة موقوتة مزينة بغلاف الحيوية والنشاط؟.. ومن وجهة نظرى «مشروبات الطاقة» تعد كارثة صامتة تهدد مستقبل عدد كبير من الشباب، وقد تكون أشد فتكاً من المخدرات وعلى النقيض، لا تقابل برفض مجتمعى واضح، ولا ينظر إليها كخطر حقيقى، رغم أنها تحمل فى ظاهرها النشاط، وفى باطنها التدمير.
دفعتنى هذه التساؤلات للبحث عن الرأى العلمي، فتوجهت إلى الدكتورة داليا أسامة، أستاذ الفارماكولوجى بالمركز القومى للبحوث، التى أوضحت أن مشروبات الطاقة، رغم تسويقها مثل المحفزات الآمنة، تنطوى على مخاطر صحية حقيقية، خاصة عند الإفراط فى تناولها خلال فترات زمنية قصيرة، مثلما يحدث فى مواسم الامتحانات، كما أنها تحتوى على نسب مرتفعة من الكافيين تتجاوز احتياج الجسم اليومى، إلى جانب مواد منبهة مثل «التورين» و«الغوارانا»، وكميات كبيرة من السكر ومركبات أخرى تؤثر على الجهاز العصبى.
وتضيف أن هذه التركيبة تمنح نشاطًا سريعًا وقصير الأمد، يعقبه هبوط حاد فى مستوى الطاقة والتركيز، والاعتماد عليها قد يؤدى إلى اضطرابات النوم والأرق، وارتفاع مستويات التوتر والانفعال، بالإضافة إلى إضعاف التركيز على المدى الطويل، خصوصاً مع تكرار السهر وقلة النوم، ورغم اعتقاد البعض بأنها تعزز القدرة على المذاكرة، فإنها فى الواقع تمنح طاقة «زائفة» سرعان ما تنقلب إلى ضعف فى الأداء العقلى والجسدي، ومع الاستمرار فى تناولها، يبدأ الجسم فى الاعتياد على الجرعات، فيلجأ المستخدم إلى زيادتها تدريجيًا، ليقع فى دائرة الإدمان النفسى والسلوكي، وهو اضطراب يستوجب الانتباه والعلاج، أما بالنسبة لأصحاب الأمراض المزمنة، مثل القلب أو الضغط أو السكري، فقد يتعرضون لمضاعفات خطيرة إذا تناولوا هذه المشروبات دون وعى أو استشارة طبية .
وهكذا يتحول الدواء إلى سم، حين يستخدم بلا وعي، ويروج له بلا توعية، ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لإطلاق حملات توعوية جادة تستهدف الطلاب وأولياء الأمور، تكشف مخاطر هذه العادة، وتفتح الباب أمام بدائل صحية أكثر أماناً وسلاماً .









