نعرف جميعاً الداء الذى يعانى منه مجتمعنا، الذى يتلخص فى سيادة ثقافة التفاهة على عقول قهرتها العولمة.. وفى قلوبٍ تعلَّمتْ أن تنبضَ خلف شاشاتٍ باردة يسمونها زكية، والآن السؤال الذى لا مَفَرَّ منه: كيف نَبْنى مواطناً واعياًَ لديه القدرة على الدفاع عن وطنه والمواجهة؟
لا أتحدث عن بناءٍ من حجرٍ، بل عن بناء الإنسان الذى كان ولا يزال أعظمَ مشروعٍ فى هذه الجغرافيا.. إنه سؤال ‹المواطن الفعال›، ذلك الكائن الذى غابَ عن مسرحنا فتحوَّلت الحياة العامة إلى مقبرةٍ للهمسات.
كثيرون يتحدثون عن الإصلاح باعتباره وثيقة سياسية أو خطة اقتصادية، لكنَّ الحقيقةَ التى عايشتُها هى أن الإصلاح يبدأ دائمًا من المختبر الإنساني، فالمواطن الفعال ليس من يُدلى بصوته فى الانتخابات ثم ينام، بل هو من يرى فى شارعه جزءًا من كرامته، وفى مدرسته ورشةً لمستقبل أمته، وفى عمله رسالةً وليس راتبًا.
المواطن الفعال يتواجد عندما يتحول الفرد إلى خليَّةٍ فى جسد الأمة النابض.. ويحدث ذلك عندما نمتلك مشروعًا روحيًّا وأخلاقيًّا يُخرج المصرى من سجن ‹الأنا› إلى رحابة الـ ‹نحن›؟ حدث ذلك فى حالتين فى الخمسينيات، حين أعلن عبدالناصر تأميم القناة، لم يكن ذلك قرارًا اقتصاديًا فحسب، بل كان صياغة جديدة للمواطنة، الفلاح فى الصعيد، والعامل فى الإسكندرية، والمدرس فى القاهرة شعروا جميعًا أنهم حرَّاسٌ على مشروعٍ كبير، كانت الدولة تُحدِّثهم بلغة الكرامة، فيردون عليها بلغة الانتماء.. وفى العشرية الثانية من القرن الحالى وتحديداً فى أغسطس 2014 عندما أعلن الرئيس السيسى بدء العمل فى قناة السويس الجديدة وطلب من المصريين المشاركة فى هذا المشروع القومى.. كان أنها ساهمت فى رفع الروح المعنوية للمصريين.
أما عندما تتحول لغة الخطاب إلى خطابٍ تقنى جاف عن الناتج القومى والمؤشرات الاقتصادية، وتنسى أن تُحدِّث القلب بلغة الكرامة المُشارَكة.. والمواطن الذى لا يشعر بالكرامة، لا يمكن أن يكون فاعلاً؛ فى أمس الأحوال يكون مستفيدًا، وفي أسوا الأحوال يكون عدوًّا صامتًا.
وفقًا لاستطلاع المركز المصرى للبحوث الاجتماعية «2023»، فإن 72٪ من الشباب المصرى لا يثقون فى تأثيرهم على القرارات العامة، ويرون أنفسهم متلقِّين وليسوا فاعلين.
المواطن الفعَّال لا يولد من فراغ، بل يُصنع بقرارٍ.. قرار الأسرة التى تعلِّم أبناءها أن الشارع جزءٌ من البيت.. قرار المدرسة التى ترفض أن تكون سجنًا وتصرُّ أن تكون واحةً.. قرار الدولة التى تدرك أن قوتها فى مواطنيها.









