يمر الإنسان فى مسيرته بمحطات تختلط فيها الحقائق، وتضطرب فيها الموازين، ويعلو فيها صوت الفتن على صوت الحكمة. وفى مثل هذه الأزمنة، لا يكون الثبات ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة وجودية تحفظ للإنسان هويته وتصون مبادئه من الذوبان. فزمن الفتن هو الزمن الذى تُختبر فيه القلوب قبل العقول، وتُوزن فيه النفوس لا الأقوال. الفتن لا تأتى دائمًا فى صورة واضحة، بل كثيرًا ما تتسلل فى ثوب الحق، وتختبئ خلف شعارات براقة، فتربك البصيرة وتُضعف اليقين. وهنا تتجلى قيمة الحكمة والثبات، بوصفه قدرة على التمييز، وصبرًا على وضوح الطريق، وتمسكًا بالمبادئ رغم كثرة المغريات وضغوط الواقع. فالحكمة والثبات ليس عنادًا، بل وعى ناضج يدرك أن التنازل عن القيم بداية فقدان الذات. فى زمن الفتن، يتعرض الإنسان لضغوط متعددة؛ ضغوط الرأى العام، وكثرة المنافقين والمتلونين، والخوف من العزلة، والرغبة فى السلامة. غير أن الثبات الحقيقى يتجلى حين يختار الإنسان الصواب ولو كان طريقه موحشًا، ويتمسك بالحق ولو خذله الكثيرون. فالثابت لا يقيس مواقفه بكثرة المؤيدين، بل بصدق القناعة ونقاء النية. الثبات فى مثل هذه الأزمنة لا يعنى الجمود أو الانغلاق، بل يعنى وضوح المرجعية، والقدرة على مراجعة النفس دون التفريط فى الثوابت. فالمرن فى الوسائل، الثابت فى المبادئ، هو الأقدر على النجاة من التقلبات، والمتوازن وسط الاضطراب. أما من يساوم على قيمه بحجة التكيف، فإنه يفقد بوصلته تدريجيًا، حتى لا يعود يميّز بين الصواب والخطأ. كما أن الثبات يحتاج إلى صبر طويل وقوة وحكمة، لأن الفتن لا تزول سريعًا، ولأن نتائج التمسك بالمبادئ قد لا تظهر فى الحال. غير أن الأثر الحقيقى للثبات والحكمة يتراكم مع الزمن، ويترك بصمته فى النفس قبل الواقع. فمن ثبت على الحق، وإن بدا خاسرًا فى الظاهر، فقد انتصر فى الداخل، وحفظ كرامته وسلامه النفسى. ولا يتحقق الثبات إلا ببناء داخلى متين، يقوم على وعى صادق، وقيم راسخة، وإيمان بأن العاقبة للحق مهما طال الطريق. فالقلب المتصل بمبادئه لا تهزه العواصف، والنفس التى تعرف غايتها لا تُغريها الطرق الملتوية. وحين يستمد الإنسان قوته من داخله، يصبح الثبات عنده أسلوب حياة لا موقفًا عابرًا. يظل الثبات فى زمن الفتن أعظم أشكال المقاومة الهادئة، وأرقى صور الانتصار الداخلي. فمن ثبت على قيمه حين اضطربت الموازين، فقد حفظ نفسه من التشتت، وترك أثرًا صامتًا لا يُنسى. فالعواصف تمضي، والضجيج يخفت، ويبقى الثابت شاهدًا على أن الحق، وإن طال انتظاره، لا يسقط. الثبات والقوة والحكمة فى زمن الفتن ليس موقفًا عابرًا يُتخذ فى لحظة، ولا شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل هو مسار داخلى طويل، يبدأ من وعى صادق، ويترسخ بقيم ثابتة، ويقوى بصبر لا يتزعزع. فزمن الفتن لا يُقاس بحدة الأحداث، وإنما بقدرة الإنسان على الحفاظ على ذاته وسط هذا الاضطراب، وألّا يسمح للفوضى الخارجية أن تسرق اتزانه الداخلي. إن الثبات فى مثل هذه الأزمنة هو أن يظل الإنسان وفيًّا لما يؤمن به، حتى حين تتغير الوجوه وتتبدل المواقف، وحين يصبح التنازل أسهل من الصمود. وهو أن يختار الحق وإن بدا طريقه طويلاً، وأن يتمسك بالقيم وإن خالفه الكثيرون، مدركًا أن الخسارة الحقيقية ليست فى فقدان المكاسب، بل فى فقدان المبادئ. فالعواصف لاتكشف قوة الأشياء، بل صدق جذورها، وكذلك الفتن لا تُسقط الإنسان إلا إذا كان ما يحمله فى داخله هشًّا.
وختاما،ً يبقى الثبات والحكمة فى زمن الفتن عنوانًا للنجاة، ودليلاً على رقى الإنسان وصدق انتمائه لقيمه. فهو ليس مجرد موقف مؤقت، بل اختيار دائم بأن يكون المرء وفيًّا لما يؤمن به، مهما تبدلت الظروف وتغيرت الوجوه. فالثبات هو أن تبقى كما أنت، حين يحاول العالم كله أن يغيّرك مع الحكمة فى مواجهة الواقع وتحدياته.. حفظ الله مصر.. وحمى شعبها العظيم وقائدها الحكيم









