العالم يتغير بسرعة كبيرة فى الفكر السياسى والاقتصادى وفى كل شىء، ومن حسن حظ مصر أن القيادة السياسية انتبهت لتلك الحالة مبكرا وتعاملت معها بشجاعة متناهية وحرص نادر، ومن ثم فقد اختارت القيادة السياسية الطريق الصعب فى التنمية والإصلاح الاقتصادى وتطوير البنية التحتية وغير ذلك من الأمورالتى جعلت مصر دولة قوية وقادرة وسط منطقة ملتهبة ونظام دولى غير مستقر، ولكن على الجانب الآخر ورغم الطفرة الكبيرة التى طالت كل قطاعات الدولة إلا أن هناك البعض ممن يتقدمون الصفوف فى بعض الوزارات والهيئات مازالوا مكبلين بأفكار وأساليب الماضى، والبعض الآخر مازال يقف عاجزا أمام تأثيرات التطرف «الدينى والأخلاقى» والتى تعيق بدورها التطور وحركة تقدم المجتمع، فضلا عن خطورة فريق ثالث موجود بيننا ولكنه مشغول دائما بمكاسبه الخاصة ومصالحه الذاتية فقط.
>>>
هكذا كان يرى زميلنا الكاتب الصحفى الراحل الأستاذ أحمد البرديسى الأوضاع فى مصر، بعدما نذر نفسه للكتابة والتحليل فى حب مصر ولأجل مصر، وهو فى سبيل ذلك كان يقرأ مئات الكتب الأجنبية والصحف والإصدارات العالمية، يبحث بين سطورها عن كل ما يتعلق بمصر ومستقبلها، وليقدم كل أسبوع تحليلاً صحفيًا عن هذا المستقبل الذى أصبح من وجهة نظره «آمنا ومستقرا» بعد تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى مقاليد الحكم عام 2014، فقد مثل له هذا التاريخ حدا فارقا بين مرحلتين.. الأولى: مرحلة التجارب العنيفة التى خلفتها مخططات أجنبية ضد مصر وتسببت فى تراجعها اقتصاديا واجتماعيا وعلميا، والمرحلة الثانية: مرحلة الوعى والتى قادها ويقودها حاليا الرئيس السيسى، فهذه المرحلة من وجهة نظر الأستاذ البرديسى بدأت بعد تداعيات أحداث يناير 2011 وبعد عام حكم الإخوان الأسود «2012-2013» وبعد ثورة 30 يونيو 2013، وجميعها ساهمت فى تشكيل وعى المصريين و ضبط بوصلات تفكيرهم فى اتجاه بناء الدولة وحمايتها من أى مخططات خارجية أو داخلية .
>>>
وحقيقة فإن حديث الأستاذ البرديسى عن مرحلة الوعى الحالية، جاءت كنتاج لمشوار طويل بدأه من قريته بمحافظة المنوفية ومشواره اليومى مع شقيقه وبعض أصدقائه إلى المدرسة، كذلك تعلقه بوالديه وبحكاياتهم عن مصر، ثم النزوح إلى «المحروسة» بعد التحاقه بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وكذلك لحظة الفرح الكبرى بالعبور وانتصار السادس من أكتوبر 1973، والتى كان دائما يحكيها بعشق وكأنها حدثت بالأمس، كل ذلك ساهم فى تشكيل مشاعره الوطنية وفى نجاحه بالعمل الصحفى بعد التحاقه بالقسم الخارجى بـ «الجمهورية» وتكليفه بمهام عديدة ساعدت فى جعله محللاً سياسيًا بارعًا، من بين هذه المهام كتابة «مانشيت» الصحيفة عن حدث دولى فى حال عدم وقوع حدث محلي، وترجمة بعض الأبواب الثابتة، إضافة إلى العمل بديسك الجريدة كنائب رئيس تحرير مسئول، ثم وهو الأهم ترجمة كتاب جديد لمؤلف عالمى كل أسبوع وعرضه على صفحة كاملة بالعدد الأسبوعى من «الجمهورية»، إلى أن تم تعيينه رئيسا لتحرير جريدة «البروجريه» الناطقة بالفرنسية لتكون محطة مهمة من مشوار طويل لم ينته بالخروج إلى المعاش فقد ظل متمسكا بقلمه فى «الجمهورية» وبتحليلاته السياسية فى الإذاعة والتليفزيون حتى الرمق الأخير.
>>>
نعم، هذا المشوار الطويل الذى خاضه الاستاذ البرديسى على مدار حياته، انعكس على مهنيته الصحفية وعلى حياته الخاصة لتكون المحصلة النهائية: مواطن مصرى بدرجة كاتب صحفى لايهدأ ولا يرتاح إلا بعد التعبيرعن رؤيته وكتابة تقريره الأسبوعى عن الأوضاع فى المنطقة والعالم وتأثيرهما على مصر، كان يقول : إن الرئيس السيسى تولى الحكم فى فترة غاية فى الصعوبة محليًا وإقليميًا ودوليًا، ورغم ذلك فقد نجح فى علاج أخطاء العهود السابقة وإنقاذ مصر من الفوضى والإرهاب ووضعها فى مسارها الصحيح، سواء بالبدء فى برنامج الإصلاح الاقتصادى أو بتنفيذ آلاف المشروعات التنموية الكبري، ومن أقواله أيضا: إنه لولا التطوير الشامل للقوات المسلحة وتزويدها بأحدث الأسلحة والمعدات ما كانت مصر تستطيع التصدى للهجمات التتارية الاستعمارية الجديدة، ولا استطاعت وقف إطلاق النار فى قطاع غزة ومنع تصفية القضية الفلسطينية، فضلا عن الدور المهم الذى تبذله الدبلوماسية المصرية حاليا لاستقرار الأوضاع فى السودان وليبيا واليمن والصومال ولبنان.
>>>
الملاحظة الأهم فى مسيرة كاتبنا الراحل الأستاذ أحمد البرديسى «والذى توفى قبل أيام»، أنه كان حافظا للقرآن الكريم، وكان حريصًا على اقتناء المصاحف المطبوعة حديثًا وقراءة عدد من السور والآيات بعد كل صلاة، وكان يقول: إن ما يفعله عناصر جماعة الإخوان الإرهابية ضد مصر ليس له علاقة بالدين وأن الجماعة فى سبيل تحقيق رغبتها فى الحكم والسيطرة مستعدة لفعل أى شيء ضد مصر والمصريين، ولكن مصر المذكورة أكثر من خمس مرات فى القرآن الكريم محفوظة بإذن الله، وأن الشعب المصرى كما قال رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم- فى رباط إلى يوم الدين.









