منذ صعود دونالد ترامب إلى سدة الحكم، لم تعد الولايات المتحدة تُقرأ بالمنطق التقليدى الذى اعتاد عليه العالم لعقود. فالرجل لم يكتفِ بإثارة الجدل بأسلوبه الخطابى الصدامي، بل أعاد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة السلوك الأمريكى ذاته: هل ما نراه هو انحراف مؤقت فرضه رئيس شعبوي، أم أنه تعبير صريح عن تحولات أعمق فى العقل السياسى الأمريكى؟
>>>>
داخليًا، قاد ترامب سياسات هزّت ما اعتُبر سابقًا من ثوابت الدولة الأمريكية الحديثة. ملف الهجرة، الذى كان يُدار تاريخيًا باعتباره ركيزة من ركائز «الحلم الأمريكي»، تحوّل فى عهده إلى أداة تعبئة سياسية تقوم على الخوف والهوية والانغلاق. الجدار، الحظر، تشديد إجراءات اللجوء، كلها لم تكن مجرد قرارات إدارية، بل رسائل سياسية تعكس رؤية ترى فى الآخر تهديدًا لا فرصة.
>>>>
الأمر ذاته انسحب على ملفات الضرائب والتأمين الصحي، حيث جرى تفكيك أو إضعاف سياسات اجتماعية صُممت لضبط التفاوت الطبقي، لصالح نهج يعلى من شأن رأس المال ويعيد الاعتبار لفكرة «الاقتصاد أولاً» حتى لو كان الثمن تآكل شبكة الأمان الاجتماعى. وهنا يبرز السؤال: هل كان ترامب يفرض رؤيته الشخصية، أم يستجيب لتحولات حقيقية فى المزاج الأمريكي، خصوصًا فى الولايات الريفية والطبقات البيضاء المتوسطة المتضررة من العولمة؟
>>>>
خارجيًا، بدأ التحول أكثر وضوحًا وخطورة. استراتيجية الأمن القومي، وكذلك توجهات وزارة الدفاع، حملت ملامح عودة صريحة لمنطق القوة الصلبة، والمنافسة بين القوى العظمي، وتقليص الاعتبار للقيم الليبرالية التى طالما روّجت لها واشنطن. لغة «أمريكا أولاَ» لم تكن شعارًا انتخابيًا فحسب، بل إطارًا فكريًا يعيد تعريف التحالفات، ويحوّل الشراكات التاريخية إلى علاقات مشروطة بالمنفعة المباشرة.
>>>>
فى هذا السياق، أعادت الولايات المتحدة إنتاج خطاب إمبريالى قديم بثوب جديد: التشكيك فى المؤسسات الدولية، الضغط على الحلفاء، الانسحاب من الاتفاقيات متعددة الأطراف، والتعامل مع السياسة الخارجية بوصفها صفقة تجارية لا التزامًا إستراتيجيًا طويل الأمد. هذه السياسات دفعت كثيرين للتساؤل: هل ما يحدث هو تآكل مؤقت لدور أمريكا القيادى، أم إعادة صياغته على أسس أكثر صدامية وأنانية؟
>>>>
الإجابة ليست بسيطة. فمن الخطأ اختزال «الترامبية» فى شخص ترامب وحده. صحيح أن أسلوبه فجّ وغير تقليدي، لكن البيئة التى أنتجته لم تكن طارئة. الاستقطاب الحاد، فقدان الثقة فى النخب، صعود الشعبوية، وتراجع الإيمان بالعولمة، كلها عوامل سبقت ترامب ومهّدت الطريق له. بمعنى آخر، ترامب لم يخترع الأزمة، بل استثمر فيها وأعاد توجيهها.
>>>>
السؤال الأهم إذن: هل تنتهى الموجة الترامبية برحيل ترامب، أم أنها أصبحت جزءًا من البنية السياسية الأمريكية؟ التجربة تشير إلى أن كثيرًا من الأفكار التى طرحها «حتى تلك التى قوبلت بالرفض فى البداية» باتت اليوم ضمن النقاش السياسى الطبيعى داخل الحزب الجمهوري، بل وامتد بعضها إلى عموم الخطاب السياسى الأمريكى.
>>>>
قد تعود أمريكا شكليًا إلى سياسات أكثر هدوءًا أو لغة أكثر دبلوماسية، لكن الجرح الذى كشفه ترامب فى الداخل الأمريكى لن يلتئم سريعًا. فالصراع لم يعد بين رئيس ومعارضيه، بل بين رؤيتين لأمريكا نفسها: أمريكا المنفتحة متعددة الأطراف، وأمريكا القومية المنغلقة التى ترى العالم ساحة تنافس صفرى.
>>>>
فى النهاية، قد يكون السؤال الحقيقى ليس: عقل ترامب أم عقل أمريكا؟ بل: أى عقلٍ لأمريكا هو الأقرب للهيمنة فى السنوات القادمة؟ وما إذا كان العالم يتعامل مع مرحلة عابرة أم مع تحوّل بنيوى فى سلوك القوة الأعظم.









