بعد عبور المصريين لقناة السويس واقتحام خط بارليف، وتجذر حالة الهزيمة فى نفوس قادة الكيان العبري، تعترف جولدا مائير بصعوبة نقل الحقيقة أو جزء منها إلى الشعب العبري، فتقول: «كانت واحدة من أشق المهام فى حياتي، لأننى كنت أعلم أننى لا يجب أن أقول كل الحقائق».. وهنا يجب أن نتوقف لبرهة مع العقل لنتدبر لماذا شق على جولدا أن تصارح شعبها بالحقيقة؟ وهل الحقيقة التى هى أن تتحدث عن هزيمة جيش الدفاع؟ أم عن نصر المصريين؟.. وهل دولة الديمقراطية فى المنطقة، أو هكذا كانت تسوق لوجودها- الوظيفى كما قال الشهيد جمال حمدان- هل هى بحق تمارس مع شعبها الديمقراطية فى شفافية المعرفة واتاحة المعلومات؟ أم أنها: تلك الديمقراطية هى أيضا إحدى فقاعات الكذب التى روج لها الكيان باعتبار ممارسات الديمقراطية واحترام الرأى العام هو ضمن ما يتميز به الكيان عن غيره من شعوب المنطقة؟.. تلك باقة أسئلة يقتضى الحال هنا استعراضها خاصة أن جولدا تعترف فى شهادتها للتاريخ خاصة بعد انقضاء زمن الحرب، إنما فى وقت الحرب والهزيمة أثرت جولدا عدم مكاشفة شعبها، وتقول: «.. تحدثت إلى شعب ليس لديه أدنى فكرة عن الضربة الرهيبة».. هكذا وصفت عبور المصريين بالضربة الرهيبة، وهكذا وصفت حال شعبها بأنه ليس لديه أدنى علم عن حال الهزيمة التى منى بها جيش الدفاع الذى كان يغط فى خداع لشعبه أولا قبل المصريين والعالم بأنه جيش لا يُقهر!.
لكن هناك فى الأراضى المحتلة جانب جلل من الصورة تشير إليه جولدا ربما لتبرر ما حدث فى مركز الصورة، أو المشهد الحقيقى وهى حالة الهزيمة لجيش الدفاع، فكانت فى أقصى زاوية المشهد ملامح غاية فى الأهمية تعترف به جولدا، وهو: «وجاء دايان إلى مكتبى يوم الأحد ـ تقصد السابع من أكتوبر ـ وأغلق الباب خلفه، ثم وقف أمامي، وسألني: هل تريدين منى أن استقيل؟».. وسيأتى الحديث تفصيلا عن موقف دايان فى فصل اعتراف دايان.. لكنه من المهم أن نقترب من اعتراف مفاجيء لجولدا إذ تقول برغبة دايان بالاستقالة نظرا لفجيعة الصدمة فلم يكن طلبه بالاستقالة لقاء انتصار جيش الدفاع العبري، ولم تكن الاستقالة إلا كرد فعل طبيعى من جانب دايان لقاء ما مليء به أسماع الشعب العبرى بأنه قائد الجيش الذى لا يقهر، وخدع شعبه فلا أقل من أن ينسحب من ميدان المعركة يجر أكاذيبه، من المؤكد أن تلك الزاوية فى المشهد ركزت عليها جولدا لتوضحها بجلاء، ربما هى أرادت ان يتضمن اعترافها توثيقا باعتراف دايان بالاستقالة لانه الشريك الأكبر فى الهزيمة، تلك الهزيمة التى تتبلور وتتضح مع كل كلمة فى اعترافات جولدا عن اليوم الثانى لنصر أكتوبر وهزيمة كيبور.
وتستطرد جولدا: «.. ولم أندم على أنه اضطر للبقاء وزيرا للدفاع» هى لم تندم لأنها وجدت من يشاركها الهزيمة، خاصة وهو من ضخم وعظم من قدرات جيش الدفاع وهو من تصدرت اعترافاتها فى هذا الفصل الرابع عشر «الهزيمة» من كتابها: «اعترافات جولدا مائير» عندما كان ما يؤكد لها دائما أن جيش الدفاع له من الامكانات ما يؤهله بالتنبوء البكر عن أية حالة عدائية من المصريين، كما انه هو من طلب بتخفيض قوات الاستنفار من فرقتين كما طلب ديفيد اليعازر رئيس أركانه إلى فرقة واحدة، وهو أيضا من طلب من جولدا بعدم استدعاء الاحتياط عندما تواترت المعلومات عن احتمال ضربة مصرية، وهو من قال ان أمام المصريين عشرين عاما ليقوموا بعملية محدودة، وغير ذلك كثير فى ذات السياق، لذا ارادت جولدا من دايان الاستمرار حتى يتحمل الجزء الأكبر من الهزيمة ففى نهاية المطاف هى رأس النظام السياسى أما دايان فهو الرمز العسكرى العبرى ورأس جيشه.. وأجد هنا قمة الحنكة السياسية لدى جولدا التى اعترفت بالهزيمة المطلقة ورغم اقدام دايان على الاستقالة وهى تميل عقلانيا وعاطفيا تجاه ديفيد اليعازر، لكنها لم ترقيه ولم تضعه مكان دايان، حتى يشاركها دايان الهزيمة أمام التاريخ وأمام الشعب العبري.
وفى القادم إن شاء الله اعترافات جولدا نحو الهرع تجاه الصديق الأكبر «أمريكا» لنجدتها من المصريين.









