يوجد فى العالم حوالى مليون جزيرة، 267ألفاً منها فى السويد و188 ألفاً فى فنلندا وأكثر من 17 ألفاً فى إندونيسيا. وليست كل هذه الجزر سواء، لا فى الحجم ولا فى المناخ، ولا فى مكانتها فى صراعات النفوذ العالمي.
جزيرة جرينلاند هى أكبر جزيرة فى العالم وتقع فى اقصى شمال الكرة الأرضية، وهى إحدى الجزر التى تثير شهية القوى الكبرى منذ قرون، بداية من الفايكنج وحتى الولايات المتحدة حالياً، ونراها وقد أصبحت هدفا معلنا من الرئيس الأمريكي.. والذى بات يريد اقتناءها بأى وسيلة وبأى ثمن وبلا ثمن، تجسيداً لمنطق القوة الذى لا يرى البشر ولا التاريخ ولا الأرض إلا كأرقام على طاولة مزاد.
كتب التاريخ تشير إلى أن الإسكندنافيين والفايكنج هم أول من اكتشف جرينلاند فى القرن العاشر، حين وصل إليها «ايريك الأحمر».. اسم وليس صفة.. قادماً من آيسلندا ولاحظ أن بعض شواطئها القصيرة تخضر فى الصيف، فسماها الأرض الخضراء أملاً فى جذب المهاجرين والمستثمرين. وتعاقبت عليها قوى الشمال الأوروبي، فدخلت تحت حكم السويد ضمن اتحاد البلدان الإسكندنافية، ثم شاركت النرويج ملكيتها لفترة قصيرة، حتى جاء القرن التاسع عشر فأصبحت تابعة للدنمارك بالكامل. وفى منتصف القرن العشرين أقرت محكمة العدل الدولية سيادة الدنمارك عليها رسمياً.
للوهلة الأولى تبدو جرينلاند مجرد كتلة ثلجية قاسية لا يقترب منها إلا المغامرون، لكن الحقيقة مختلفة؛ فقد ثبت أن لديها ثروات هائلة غير مستغلة من المعادن النادرة والنفط والغاز واليورانيوم. كما أنها تملك موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية فى قلب المحيط المتجمد الشمالى بين أمريكا وأوروبا، ومع توقعات ذوبان الجليد مستقبلاً قد تتحول إلى شريان تجارى وعسكرى عالمى واعد.
ورغم الأطماع، تبقى الجزيرة موطناً لحوالى 56 ألف نسمة أغلبهم من شعب الإنويت الذين تأقلموا على الحياة فى ظروف تبدو مستحيلة لغيرهم. يعيشون على صيد الأسماك والحيتان ويستخدمون طرقاً بسيطة للتنقل والتواصل ويحافظون على ثقافة ضاربة فى جذور التاريخ. وبرغم العواصف والطقس القارس الذى وصل إلى سبعين درجة تحت الصفر فى يوم ما، ظلوا متمسكين بأرضهم التى تمنحهم الانتماء، حتى وإن كانت مكسوة بالثلج والصقيع.
هذه الحكاية الشمالية البعيدة ليست إلا مرآة لحكاية أقرب إلى القلب وأكثر ألماً ودفئاً. فعلى الطرف الآخر من العالم لا فى صقيع الثلوج بل فى جحيم النار، قاوم أبناء غزة كل ما يمكن أن يفتت البشر: حصاراً، قصفاً، دماراً فوق الرءوس، وقوة متعطشة للهيمنة والسلب. ومع ذلك بقوا وتشبثوا بأرضهم، وغرسوا الحياة فى الخراب، ونشروا الغسيل على الأسلاك المحترقة، وأعادوا الروح إلى ما ظنه البعض أرضاً محروقة.
إنه الوطن يا سادة.. أرض الوطن ليست مكاناً نسكنه فحسب، بل حضنٌ خفى يشد الإنسان إليه كلما ابتعد. فمهما قست الظروف واشتدت الرياح وتراكمت الثلوج، تظل أرض الوطن تجذب أبناءها بحنان لا تملكه أى أرض أخري، وكأن جذورها تمتد إلى أرواحهم قبل أقدامهم.. ارض الوطن هى مصدر قوتنا ومنبع كرامتنا..
إنسان جرينلاند تمسك بجزيرته رغم قسوة الطبيعة. وإنسان غزة تمسك بأرضه رغم قسوة البشر. وفى المكانين المتباعدين، لا يفرض حب الوطن منطقه بالحسابات، بل بنبض داخلى يقول بوضوح لا يقبل المساومة: الارض ليست ملكاً لمن يريد شراءها أو احتلالها، بل لمن ينتمى إليها ويحيا عليها ويدفن أحلامه ودموعه فى ترابها.









