انتحار فتاة أمريكية بعد تفاعلها مع مجتمعات تمجّد العنف.. وإيذاء النفس يكشف الخطر
هذا الأسبوع نستعرض خارطة معقّدة من التفاعلات الميدانية والسياسية التى أصبحت تفرض نفسها بقوة على الساحة الدولية. ونتناول الانتهاكات المستمرة فى الأراضى الفلسطينية رغم سريان الهدنة، وتطوّر أنماط التطرف العنيف العابر للحدود والفضاء الرقمي، فضلاً عن تصاعد موجات الإسلاموفوبيا التى تهدد السلم المجتمعى فى عدد من الدول الغربية، بما يستدعى مقاربة تحليلية شاملة لفهم هذه الأزمات المتشابكة ومواجهتها، حيث يقف الوضع الفلسطينى اليوم عند مفترق طرق بالغ الحساسية، نتيجة تشابك الأبعاد الإنسانية والسياسية على نحو يهدد استقرار المنطقة برمتها، ورغم وقف إطلاق النار الذى دخل حيز التنفيذ فى أكتوبر 2025، تشير الوقائع الميدانية إلى هشاشة هذه الهدنة، التى تكاد تنهار تحت وطأة الممارسات التصعيدية، ومؤخرا أصدرت قوات الاحتلال أوامر إخلاء عشرات العائلات جنوب قطاع غزة، فى تكرار لسياسة «الترهيب بالمنشورات»، حيث ألقى الجيش الإسرائيلى منشورات بثلاث لغات على حى الرقيب ببلدة بنى سهيلة، مطالبًا السكان بالإخلاء الفوري، الأمر الذى يثير مخاوف جدية من عودة موجات النزوح القسري، حتى فى ظل الترتيبات الأمنية القائمة.
وتتفاقم الأزمة الإنسانية فى قطاع غزة بوتيرة متسارعة قد لا يجد المجتمع الدولى الوقت الكافى لاحتوائها، إذ أدى قرار حظر عمل كبرى المنظمات غير الحكومية الدولية ومنحها مهلة للمغادرة إلى تهديد مباشر لملايين الفلسطينيين الذين يعتمدون اعتمادًا كليًا على المساعدات الإنسانية، وتتجلى خطورة هذا القرار فى كون هذه المنظمات كانت تقدم مساعدات تُقدَّر بنحو مليار دولار سنويًا، وفى ظل شتاء قاسٍ يعيش فيه مئات الآلاف داخل خيام مؤقتة، أصبح الغذاء سلعة نادرة، وباتت المطابخ الخيرية الملاذ الأخير لعائلات لا تحصل سوى على وجبة واحدة يوميًا، ما ينذر بدخول القطاع مرحلة مجاعة فعلية.
ولم تكن الضفة الغربية والقدس الشرقية بمنأى عن هذا التصعيد، حيث يتصاعد عنف المستوطنين بصورة يومية فى ظل غياب المساءلة القانونية، وقد تجسّد ذلك فى الهجوم الذى تعرضت له متطوعة فرنسية فى بلدة مخماس على يد مستوطنين ملثمين استخدموا أدوات حادة وأضرموا النار فى محيط المكان، وعلى الصعيد الدولي، أثار استهداف منشآت وكالة «الأونروا» فى القدس الشرقية موجة إدانات واسعة، إذ دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش إسرائيل إلى وقف هدم مجمع الوكالة وإعادته لها، باعتبار ذلك انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وهو موقف حظى بدعم قوى من بلجيكا.
أما على المسار السياسي، فتبرز المبادرة الأمريكية من خلال «مجلس السلام» الذى أنشأه الرئيس دونالد ترامب للإشراف على إعادة إعمار غزة بمساهمة تبلغ مليار دولار، مع تطلعات لنشر قوة أمنية دولية ونزع سلاح حركة حماس، غير أن هذه الترتيبات تثير تساؤلات عميقة حول مدى توافقها مع الشرعية الدولية، ومدى انسجامها مع التوازنات الفلسطينية الداخلية، وإمكانية فرض حلول أمنية دون معالجة الجذور السياسية للصراع.
خارطة التطرف حول العالم
تشير التطورات الأخيرة فى أفغانستان وسوريا أن الإرهاب والتطرف لم يعودا يقتصران على ساحات القتال التقليدية، بل باتا يتخذان أبعادًا متعددة تشمل الأمن الميداني، والفضاء الرقمي، والرمزية الأيديولوجية، والفكر السياسي، ففى أفغانستان، تتداخل الأزمات الإنسانية مع تصاعد العنف والتضييق الاجتماعي، حيث أدت السياسات الداخلية الصارمة لحركة طالبان إلى تعميق العزلة الدولية، وخلق بيئات هشّة تغذّى التطرف وتعيد إنتاجه.
أما فى سوريا، فإن تصاعد الاشتباكات بين الجيش السورى وقوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب ضعف إدارة المخيمات، وعلى رأسها مخيم الهول، يسهم فى إعادة تنشيط خلايا تنظيم داعش، ويزيد من حجم التهديدات للأمن الإقليمى والدولي.
وعلى صعيد الاستجابة الأمنية، نجحت سلطات بوركينا فاسو فى مصادرة ترسانة ضخمة من المواد المتفجرة كانت فى طريقها إلى شبكات غير مشروعة، مما أبرز الدور المحورى الذى تلعبه الأجهزة الجمركية بوصفها خط الدفاع الأول، وأكد أهمية التنسيق بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والقضائية.
وفى أوروبا، أعلنت فرنسا تأسيس النيابة الوطنية لمكافحة الجريمة المنظمة، مستندة إلى مقاربة مشابهة لتلك المستخدمة فى مكافحة الإرهاب، وتشمل تفكيك شبكات تهريب المخدرات وتتبع مصادر التمويل غير المشروع، فى اعتراف ضمنى بتقاطع الجريمة المنظمة مع الجماعات المتشددة.
وفى السياق ذاته، سلّطت فرنسا الضوء على ظاهرة التطرف المبكر بين المراهقين، بعد إلقاء القبض على فتى يبلغ من العمر 16 عامًا تمكن من الحصول على مواد متفجرة متأثرًا بدعاية تنظيم داعش، ما يكشف عن تحديات متشابكة تتعلق بالأمن والتعليم والصحة النفسية والتشريعات القانونية، ويؤكد الحاجة إلى برامج وقائية شاملة.
وفى باكستان، أقرت حكومة إقليم بلوشستان قواعد «مركز التميّز لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف»، التى تسمح بإنشاء مراكز احتجاز قانونية متخصصة فى مدينتى كويتا وتربت، تهدف إلى الجمع بين التحقيقات الأمنية وبرامج الوقاية الفكرية وإعادة التأهيل، ورغم وصف رئيس وزراء الإقليم لهذا القرار بالتاريخي، تبقى التساؤلات قائمة بشأن ضمانات المحاكمة العادلة وآليات الرقابة القضائية، ليظل نجاح التجربة مرهونًا بالتطبيق العملى المتوازن بين متطلبات الأمن القومى وحماية حقوق الإنسان.
كما تواجه أفغانستان أزمات متشابكة تشمل الأمن والغذاء وحقوق الإنسان، إذ أغلقت طالبان دور الأيتام الخاصة ونقلت الأطفال إلى مؤسسات حكومية، بينما يعانى نحو خمسة ملايين امرأة وطفل من سوء التغذية، إلى جانب استمرار العقوبات البدنية العلنية وفرض قيود صارمة على حركة النساء، ما دفع خبراء أمميين إلى توصيف هذه الانتهاكات بوصفها شكلاً من أشكال «الفصل العنصرى القائم على النوع».
وفى إفريقيا، تشهد مناطق مثل كينيا والنيجر وبوركينا فاسو موجات عنف مسلح عابرة للحدود تستهدف المدنيين ودور العبادة، كما يظهر فى حوادث اختطاف المصلين فى نيجيريا ومجزرة تيلابيرى فى النيجر، ما يعكس تحول الجماعات المسلحة من السيطرة على الأرض إلى تفكيك المجتمعات واستغلال الفراغات الأمنية والجغرافية لتحقيق النفوذ.
الإسلاموفوبيا
تشهد عدد من الدول الغربية تصاعدًا مقلقًا فى جرائم الكراهية ذات الخلفية الدينية، بالتوازى مع انتشار خطاب تحريضى عبر المنصات الرقمية تقوده جماعات يمينية متطرفة. وقد باتت دور العبادة والمؤسسات التعليمية والفضاء الرقمى ساحات رئيسية لهذا التصعيد، فى ظل تحذيرات متزايدة من أن التضليل الإلكترونى أصبح وقودًا أساسيًا للتطرف المجتمعي.
ففى إسكتلندا، تعرّض مسجد إدنبرة المركزى لاعتداء ليلى تضمن عبارات ورسومًا تحريضية معادية للمسلمين، ارتبطت بحملات تضليل إلكترونية حول ما سُمّى بـ»الأذان الإجباري»، فى محاولة لإشعال صدام ثقافي. وفى الولايات المتحدة، فتحت السلطات تحقيقًا جنائيًا بعد العثور على كتابات معادية للمسلمين والفلسطينيين فى مدرسة بولاية ماريلاند، ضمن سياق مئات حوادث التحيّز المدرسى خلال عام 2024.
وفى بريطانيا، أثارت جماعة يمينية متطرفة جدلاً واسعًا بعد تحريض أولياء الأمور على مقاطعة زيارة مدرسية لمسجد، كما صوّت مجلس اللوردات لصالح حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعى لمن هم دون 16 عامًا، بدعوى حماية الأطفال من التطرف والمحتوى الضار، وسط جدل واسع حول جدوى هذه الإجراءات وتوقيت تنفيذها.
وفى الولايات المتحدة أيضًا، أُغلقت منظمة «بيتاريو إس» اليمينية المتطرفة فى نيويورك بعد تورطها فى ممارسات ترهيب وتحريض، فيما وُجهت تهم لثلاثة رجال فى فلوريدا بعد تعطيلهم صلاة طلاب مسلمين وبث الواقعة مباشرة عبر الإنترنت.
وتعكس حادثة انتحار فتاة أمريكية تبلغ من العمر 13عامًا، بعد تفاعلها مع مجتمعات رقمية تمجّد العنف وإيذاء النفس، خطورة التطرف الرقمى على القاصرين، فى ظل تقارير تشير إلى زيادة بنسبة 300 ٪ فى قضايا التطرف العنيف بالولايات المتحدة خلال عام واحد.
وفى المقابل، برزت نماذج إيجابية للتضامن، كما فى السويد، حيث زار قادة من الجالية اليهودية المسجد الكبير فى ستوكهولم وقدموا نسخة من القرآن تضامنًا مع المسلمين، مؤكدين أن خطاب الكراهية يستهدف جميع المكوّنات الدينية دون استثناء.
تكشف القضايا التى تناولها تقرير مرصد الأزهر الأسبوعى أن العالم لم يعد يواجه أزمات منفصلة يمكن احتواؤها كلٌّ على حدة، بل يقف أمام «كتلة حرجة» من التحديات المتداخلة التى يغذى بعضها بعضًا. فالهدنة الهشة فى غزة، وتمدد التطرف العنيف عبر الفضاء الرقمى والحدود الجغرافية، وتصاعد موجات الإسلاموفوبيا فى المجتمعات الغربية، جميعها ظواهر نابعة من فراغات سياسية، وغياب للمساءلة الدولية، وضعف فى منظومات العدالة والحوار المجتمعي.
ويؤكد التقرير أن المقاربات الأمنية وحدها، مهما بلغت شدتها، لن تكون كافية لمواجهة هذه التحديات المركبة، ما لم تُدعَم بسياسات شاملة تعالج الجذور الفكرية والاجتماعية والاقتصادية للتطرف والكراهية. كما يبرز الدور المحورى للمؤسسات الدينية والفكرية، ومن بينها مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، فى تفكيك الخطاب المتطرف، وتعزيز قيم التعايش، وبناء جسور الثقة بين المجتمعات، بوصف ذلك خط الدفاع الأول فى مواجهة عالم يتجه بوتيرة متسارعة نحو الاستقطاب والصدام.









