وقائع تمر بنا يوميًا، قد نراها بسيطة، وفق التعبير الودود، مع أى أزمة «سهلة..سهلة» لكن بعض الوقائع تحتاج ان نتوقف عندها، من ذلك ما شكت منه فتاة تخرجت فى جامعة سوهاج، بتقدير جيد جدا، وترى أن من حقها أن تكلف «معيدة» بالكلية، لكن لم يحدث، وتُرجع السبب الى قول أحدٍ الأساتذة لها «ابنة المؤذن» لا يمكن أن تكون معيدة، جحافل السوشيال ميديا غضبت لها.
الاستاذ الدكتور عميد الكلية أوضح خطة الكلية لتعيين المعيدين وأن هناك قواعد تحكم المسألة.
أعرف أن تكليف خريج أو خريجة لا يتوقف على تصور او تعبير فج، وقح، يصدر من إنسان غير مهذب، غير مسئول، ناهيك عن أن يكون مربيًا ومعلمًا.
ربما تكون الفتاة بالغت فى الأمر، بعض الشيء ولعلها بحاجة إلى هذه الوظيفة تحديدا ورأت أن اثارة المشكلة على هذا النحو قد يُجبر الجامعة على أن تقوم بتعيينها، وقد لا يكون القائل أستاذا، وبالتأكيد ليست له أى حيثية فى قرار التعيين من عدمه.
لم أسمع مسئولا بالجامعة أو خارجها يتحدث عن أن العبارة التى قيلت للطالبة تكشف عن تمييز اجتماعى بغيض فى الوسط الجامعى وأن تقدير الطالبة وفق مهنة الأب سلوك معوج، ينبغى محاسبة ادبية لمن ردده، ولم أسمع من أى جهة دفاعا عن مهنة المؤذن باعتبارها وظيفة من وظائف الدولة فى كادر وزارة الاوقاف وأن راتب المؤذن قد يقترب من راتب أستاذ الجامعة وقد يفوقه.
>>>
واقعة «ابنة المؤذن» تفجرت فى لحظة انتخابات مجلس النواب، التى لاحظ بعض المراقبين، رغبة بعض الأسر والعائلات فى السيطرة على بعض المقاعد جيلًا بعد جيل،تنجح نائبة شابة وفى ذروة السعادة بالنجاح، يقال على الفور انها ابنة فلان وحفيدة علان، فى رسالة قد تكون أن النجاح مفروغ منه، ميراث مستحق للعائلة وربما تكون الرسالة شريرة مفادها أن النجاح ليس للشخص الذى نجح نائبا أو نائبة، حديث الأُسَر والعائلات قائم بقوة فى بعض المحافظات، قبلى وبحرى، بل فى القاهرة نفسها وفى الاسكندرية أكثر.
الأمر الذى يثير القلق بين الراغبين فى التجديد وبناء مجتمع ليس فيه تمييز اجتماعى، مجتمع مدنى بالمعنى الصحيح، لا يبخس الإنسان حقه وتفوقه الشخصى بسبب عبارة سادت سنوات التسعينيات «غير لائق اجتماعيا».
>>>
ابنة المؤذن قد يكون لديها شعور بعدم التقدير بسبب وظيفة الوالد، رغم أنها وظيفة مقدرة ومحترمة، يقف على قمتها أعلام كبار، مثل فضيلة الشيخ محمد رفعت والشيخ النقشبندى وسواهما، لكن ربما تعرضت للغمز واللمز بسبب ذلك من أفراد بالمجتمع المحيط، لعلها خجولة لا تقدر على المواجهة والدفاع عن وظيفة الوالد.
لم تعرف مصر هذا التمييز بين المهن والوظائف، إلا فى العصر الحديث.
فى زمن المماليك كانت هناك رابطة لكل حرفة ومهنة، على رأسها من يمثلها أمام المسئولين، لم يكن هناك تفاضل بين مهنة وأخرى، حجاج الخضرى زمن محمد على، كان يستوى مع السيد عمر مكرم، بين الجميع ود وتقدير واحترام ، لا ازدراء فئوى أو مهنى، ثم تغير الحال فى عصرنا الحديث، تضخم بعض الموظفين وتصور كل منهم أنه أفضل من الآخرين.
>>>
يجب الاعتراف أن الجامعة، كانت تشهد،معظم الوقت، بعض مظاهر التمييز الاجتماعى والفئوى،من قبل كان التمييز بين من دخل بالمصاريف ومن نال مجانية او نصف مجانية ،من دخل بأصوله الاجتماعية والمالية ومن دخل بورقة «شهادة الفقر».
شاهدنا جميعًا فيلم سعاد حسنى وحسين فهمى «خلى بالك من زوزو»،أخرجه الراحل الكبير حسن الإمام وكتب قصته الشاعر صلاح جاهين ،سنة 1972، القصة ترصد التمييز الاجتماعى والطبقى بين الطلاب والطالبات ،دعنا الآن من نجاح الفيلم، حتى أنه عد من بين أفضل مائة فيلم عربى ، ولايزال يعرض ويجد إقبالا الى اليوم،يعنينا هنا أن صلاح جاهين كتب القصة نقلًا عن واقعة حقيقية ،تعرضت فيه البطلة لتمييز وغبن حقيقى ،ورغم أن البطلة نجحت ولمعت فى رحلة الحياة وكانت اسما كبيرا، لكن ظل ذلك التمييز يلاحقها اجتماعيا وانسانيا طوال حياتها.
القصة التى كتبها صلاح جاهين، ليست حالة استثنائية، متكررة جيلا بعد جيل، وكنا نتصور أن هذه العقليات اختفت، لكن صكت كلمة «ابنة المؤذن» أسماعنا، خاصة أن جوهر الواقعة لم يتم نفيه .
السيد رئيس الجامعة استقبل الطالبة لتطييب خاطرها،عميد الكلية أوضح معايير تعيين المعيدين ،لكن ماذا عن «الاستاذ الدكتور»، الذى رمى الطالبة بتلك العبارة ؟وماذا عن الروح الجامعية ؟
يتصور البعض أن التمييز داخل الجامعة يقتصر على التعيين فى عضوية هيئة التدريس،كما يشكو البعض ،حيث الفرص ليست متساوية بين أبناء الأساتذة وزملائهم ،هذه المسألة منتشرة جدا منذ تأسيس الجامعة المصرية.
منذ سنوات بعيدة كان نجل الصحفى الراحل محمد حسنين هيكل طالبا فى طب القصر العينى وتخرج النجل وكان الرابع على الدفعة، لكن والده الكاتب الكبير قال فى حديث صحفى «اعتبرته الاول لان من سبقوه أبناء الاساتذة»، وحكى لى وزير صحة سابق أنه لما تخرج فى طب عين شمس وكان الأول على الدفعة لم يعين معيدا فى قسم أمراض القلب لأن الموقع كان محجوزا لابن الأستاذ الذى لم يكن متفوقًا وشاء الله أن يواصل هو التفوق والنجاح فى طب العيون.
لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فى كتابه المهم «جنة الحيوان»، شرح عميد الأدب العربى د.طه حسين وهو يدعو إلى مجانية التعليم، أن بعض اساتذة الجامعة، الذين قدموا من أسر فقيرة، تحملت العنت لتوفر لهم مكانًا فى المدرسة وساعدتهم الدولة بأن ارسلتهم فى بعثات علمية بالخارج، دون ان يتحملوا شيئا ولما عادوا الى الجامعة ،اجتهدوا فى قطع الطريق على أبناء الفقراء للتعليم، لا يخجلون من الصياح أن التعليم يجب أن يكون للقادر ماليًا فقط.
>>>
الواقع أن التمييز يتمدد فى المجتمع لأسباب اجتماعية فى المقام الأول، لاحظ سكان الكمبوند وسماتهم الاجتماعية، سكان المناطق الشعبية، سكان الأحياء الفقيرة، فى النهاية كيف ينعكس ذلك على التماسك الوطنى والاجتماعي.
لقد بذلت الدولة جهدًا كبيرا لإنقاذ سكان العشوائيات، وتحملت الكثير، بعد أن تبين للجميع أن سكان العشوائيات صاروا قنابل موقوتة تنفجر مع أى أزمة ،شاهدنا ذلك فى ايام الفوضى ، بدءا من مساء يوم 28 يناير 2011.
قبل استجابة الدولة بقرابة ثلاثين عاما حذر خبراء المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية من تلك التجمعات وخطورتها،كانت ملامح الأزمة تكشفت سنة 1986،فى حوادث الامن المركزى ،حين اندفع بعض العشوائيين الى محلات شارع الهرم حرقًا ونهبًا، لكن التحذير لم يؤخذ على محمل الجد وقتها من المسئولين وفهم على أنه رفاهية مثقفين ومتعلمين ،التمييز الاجتماعى يمكن أن يهدد السلام الاجتماعى وتماسك النسيج الوطني.
>>>
تصدت الدولة كذلك لمحاولات التمييز الطائفى، الجهد هنا، يعود الى الرئيس عبد الفتاح السيسى شخصيًا، فمنذ مطلع السبعينيات، كنا نعيش حالة من الاحتدام الطائفى، فى بعض المواقف ارتفعت حدة الاحتدام، حتى كادت أن تمس التماسك الوطنى، حققت الدولة فى هذا الجانب نجاحًا لافتا، اقتضى الأمر تدخلًا تشريعيا، بإصدار قانون بناءً دور العبادة، ثم عدة مبادرات اتخذها رئيس الجمهورية شخصيا، أبرزها الزيارة السنوية، غير المسبوقة، التى يقوم بها الرئيس الى الكاتدرائية فى الاحتفال بعيد الميلاد المجيد ليلة السابع من يناير
>>>
هذا المجهود وذلك النجاح، يحسب للدولة، لكن لا ينفى ان هناك محاولات خلق جوانب أخرى من التمييز داخل المجتمع وبين أبنائه وفئاته، واقعة «ابنة المؤذن»، كاشفة، إذا كنا حريصين على بناء المجتمع المدنى ،المتماسك والقوي.
السيد رئيس جامعة سوهاج وكذا عميد كلية الآداب تعاملا بكياسة مع الخريجة المتضررة ، لكن دلالة الواقعة أكبر من ذلك ،تتجاوز حدود جامعة سوهاج الى المجتمع كله.









