ووداعًا البرديسى.. والحاج «عوض».. وليالينا الحلوة
ونحن نستعيد ذاكرة الأيام فى حديثنا عن أحداث 25 يناير من عام 2011 وما تلاها من أحداث كانت علامة فارقة فى تاريخ مصر الحديث فإننا نتذكر أيام القلق والخوف والترقب.. أيام كان العالم من حولنا يتابع ويتنبأ بسقوط مصر بعد انهيار النظام.. أيام كانت هناك توقعات بأن الفوضى فى الشارع ستكون مدخلاً لحرب أهلية نرفع فيها السلاح فى وجه بعضنا البعض..! فى هذه الأيام وقف المشير محمد حسين طنطاوى يتحدث ويطمئن شعب مصر ويؤكد أن لهذا الوطن درع وسيف يحميه فى الأزمات ويقيه من الانكسار.. قال طنطاوى «مصر لن تسقط.. ومش هنسيب مصر.. مفيش كلام زى ده».
وصدق ما تحدث عنه طنطاوى.. مصر لم تسقط ووقفت مصر جيشاً واحداً شعباً واحداً تحت شعار واحد تحيا مصر.. وقفت مصر تحارب المجهول.. تقاوم الشائعات وتخالف كل التوقعات.. ولم نخرج من مصر.. ولماذا نخرج؟ الأرض أرضنا عن أبونا وجدنا وبكره ولا بعده لعيالنا بعدنا.. ولماذا نخرج ونحن نملك جيشاً من خيرة أجناد الأرض.. جيشاً أعاد الأمان والأمن فى غضون أشهر قليلة.. جيشاً حافظ على الممتلكات العامة والخاصة بثقة واقتدار.. منظومة رائعة من أبناء مصر انتشروا فى كل مكان بحب وبتلاحم كامل ما بين الجيش والشعب.. ولماذا نخرج ونحن نعلم أن لدينا القدرة على التغلب على الأزمات الطارئة وإعادة البناء من جديد.. ولماذ نخرج.. وهذه هى مصر.. ومصر تعنى دائماً وأبداً كل الخلود.
وعندما نتذكر ما قاله المشير طنطاوى فإننا نوجه إليه وإلى رجالات الجيش المصرى قادة وجنوداً تحية الإكبار والاعتزاز لرجال هم فخر هذه الأمة وعزتها وقوتها.. رجال يستحقون دائماً وأبداً كل التقدير والاحترام.
>>>
وتمضى الأيام.. وقبل عدة أشهر جاء صوته ضعيفاً واهناً عبر الهاتف.. معك أخوك أحمد البرديسى.. «هوه إحنا مش هنشوفك يا أستاذ».. وقلت له.. قريباً إن شاء الله.. أخبارك إنت إيه يا برديسى وأخبار بركة السبع إيه.. ولم يتحدث كثيراً.. كان يودعنا.. كان يتذكر الرفاق والأصدقاء والزملاء.. كان الطيب الوقور زميلى طوال سنوات وسنوات فى «جمهوريتنا».. الجمهورية التى عشنا فيها روحاً واحدة من الحب والانتماء لمؤسسة كانت تبحث دائماً عن التميز وعن الارتباط بالمواطن البسيط.. الجمهورية التى شهدت أجمل أيام عمرنا داخل الأسرة التى اعتدنا فيها أن أحداً لا يخرج منها إلا إلى مثواه الأخير.. ولم يتحدث البرديسى كثيراً.. كان الموهوب فى عالم الصحافة التحليلية.. صحافة الاطلاع والمعلومات.. صحافة الرقى الفكرى.. كان هذا الموهوب حريصاً على أن يكون على تواصل مع الجميع يمنحهم الرأى والخبرة.. ويبارك لهم أعمالهم ونجاحاتهم.. كان ابن بركة السبع نقطة مضيئة فى عالم يحتاج إلى من يأخذ بيد الآخرين وينير لهم معالم الطريق.
وتلقيت خبر رحيله عن دنيانا.. واتصلت بالسيدة الفاضلة شريكة حياته ورفيقة الدرب لأقدم لها العزاء.. ولم تسعفنى الكلمات كثيراً فقد كنت أعزى نفسى أولاً.. الرفاق يتساقطون.. وأيام العمر معدودة.
>>>
ويمضى البرديسى إلى الدار الآخرة بينما الدكتور والتر جاكسون يحذرنا من أننا قد كبرنا وأن علينا أن نكون على استعداد.. ويقول لنا إن من علامات التقدم فى السن أن الإنسان يبدأ بالنعاس فى كل مكان بينما يصاب بالأرق فى سريره!! وما قاله يلخص كل الحكاية.. لقد أصبح الواحد منا ينام واقفاً..!
>>>
وكفانا حزناً.. الدنيا لسه حلوة.. ولازم نضحك ونعيش ونتغلب على الأحزان.. وعوض رجع من الحج.. وذهب إلى الدكان الذى كان مديناً له.. وقال للبقال.. أين دفتر الديون؟ البقال طار من الفرحة وقال ياعينى.. عوض بعد الحج تغير وسبحان مغير الأحوال.. طلع الدفتر.. قال له عوض افتح الصفحة اللى فيها اسمى.. فتح صاحب الدكان الصفحة.. قال له.. لوسمحت عدل الاسم واكتب «الحاج عوض»..!
>>>
أما التلميذ فقد دخل على أمه باكياً.. قالت.. فيه إيه ياواد! قال لها.. المدرس سألنى.. مين اللى حفر قناة السويس.. ماعرفتش قام ضربنى.. قالت.. عارفاك وعارفة شقاوتك ماحدش حفرها غيرك..!
>>>
وكل لاعب كرة قدم تنحسر عنه الأضواء يصفق لزوجته عندما تقوم بنشر صورها على مواقع التواصل الاجتماعى وتنهال عليها عبارات الإطراء والإعجاب ويتذكره الجمهور بأنها زوجة هذا اللاعب..! لا يتحدثون عن مهاراته.. ولكن عن مؤهلات زوجته وإمكانياتها ومواهبها.. وكلها أصبحت «فرجة» وببلاش..!
>>>
وسمعت كلاماً لا يقال عن أحد الأشخاص.. كلاماً يدفعك إلى أن تتجنب الالتقاء به أو الحديث معه.. وعندما التقيت به مصادفة وجدته أروع وأنقى كثيراً من المنافق الذى كان يتكلم عنه بالسوء..!
>>>
وأجمل مراحل الحب عبرت عنها أم كلثوم.. وأهرب من قلبى أروح على فين ليالينا الحلوة فى كل مكان مليناها حب إحنا الاتنين وملينا الدنيا أمل.. أمل وحنان.. عينى عينى على العاشقين.. حيارى مظلومين عالصبر مش قادرين.. ما أقدرش أصبر يوم على بعده والصبر عايز عايز صبر لوحده.
>>>
وأخيرًا:
>> إن الإنسان رقيق الشعور يحس ويشعر بالألفة
حتى مع شجرة جلس تحتها أكثر من مرة، فكيف ينسى من ألفته روحه
>>>
>> وعندما تشكو للبشر ينتهى الحوار بعبارة «الله يعينك»
اختصرها من البداية واشتكى «لمن يعينك»
>> واللهم السلام من كل أمر يرهق أرواحنا









