إن المشاركة المتنوعة للمجلس القومى للأشخاص ذوى الإعاقة فى معرض الكتاب 2026 ليست مجرد فعالية عابرة، بل هى إعلان عن «عقد اجتماعى جديد» تلتزم فيه الدولة بإتاحة المعرفة للجميع. بين صفحات الكتب المطبوعة ببرايل، وحركات أيدى مترجمى الإشارة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، يبرز وجه مصر الحضارى الذى يؤمن بأن قوة المجتمع تُقاس بمدى قدرته على دمج وتمكين جميع أبنائه.
ولم يعد مشهد الكراسى المتحركة أو لغة الإشارة مجرد «استثناء» فى قاعات وفعاليات معرض القاهرة الدولى للكتاب ، بل صار جزءا أصيلا من هوية المعرض بفضل جهود المجلس القومى للأشخاص ذوى الإعاقة.
«ثورة ديزى» «DAISY»
من بين أبرز مخرجات تعاون الدكتورة إيمان كريم، المشرف العام على المجلس مع الخبراء التقنيين فى جناح المجلس على أن هذه الصيغة هى «الثورة القادمة» فى عالم القراءة للمكفوفين ، خلافاً للكتب الصوتية التقليدية، تتيح «ديزي» للقارئ الكفيف التنقل بين الفصول والصفحات والفقرات بسهولة تامة، وكأنه يمسك كتابا ورقيا بين يديه كما تتيح دمج النص المكتوب مع الصوت والصور، مما يجعلها الوسيلة المثلى ليس فقط للمكفوفين، بل لمن يعانون من صعوبات التعلم أيضاً.
هذا التوجه التقنى ينقل ذوى الإعاقة البصرية من مرحلة «الاستماع السلبي» إلى مرحلة «القراءة التفاعلية» والبحث الأكاديمى الرصين.
خادم الإنسانية الجديد
لم تغفل أجندة المجلس عن لغة العصر حيث خصص ورشا نوعية حول «توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي». هذه الورش لا تستعرض نظريات، بل تطبيقات عملية: كيف يمكن لضعاف البصر استخدام نظارات ذكية تصف لهم المحيط، وكيف يمكن للصم استخدام تطبيقات تترجم الصوت اللحظى إلى نص مكتوب على شاشة الهاتف. إنها محاولة جادة لسد الفجوة الرقمية، وجعل التكنولوجيا «جسرا» لا «حاجزا».
«سفراء الصمت»
لا يمكن الحديث عن هذا الحدث دون التوقف عند سفراء الصمت من الشباب الذين أصبحوا حديث زوار ندوات المعرض عن مترجمى الإشارة فى ندوات المعرض فى تأكيد منهم على أن «لغة الإشارة ليست مجرد إيماءات، إنها لغة روح. وتقول احداهن إنها عندما تترجم ندوة فكرية معقدة، تشعر أنها تنقل شعلة الوعى لأشخاص كانوا لسنوات مغيبين عن هذه النقاشات» ، وهؤلاء الشباب هم جيل من المتطوعين الذين تدربوا تحت مظلة المجلس ليكونوا حلقة الوصل فى مبادرة «معرض الكتاب بلغة الإشارة» التى تدخل عامها الخامس بثبات.
تبلورت رؤية الدولة المصرية نحو تمكين ذوى الإعاقة فى ندوة فكرية رفيعة المستوى بعنوان «استراتيجيات الدمج الثقافي» الندوة التى أدارتها الكاتبة رشا عبدالمنعم، المستشار الثقافى للمجلس القومى للأشخاص ذوى الإعاقة، لم تكن مجرد نقاش فكرى، بل كانت كشف حساب لجهود المؤسسات المصرية والدولية فى تحويل «الدمج» من شعار إلى واقع ملموس.
وفى كلمتها، وجهت الدكتورة إيمان كريم الشكر للقيادة السياسية على دعمها غير المسبوق للأشخاص ذوى الإعاقة وأسرهم. وأكدت أن القانون رقم 10 لسنة 2018 وضع خارطة طريق شاملة لم تترك تفصيلة إلا وتطرقت إليها، مشددة على أن الدمج الثقافى هو «بوابة التمكين».
وأشارت كريم إلى ضرورة تعميم تجارب الإتاحة، مشيدة بنموذج المتحف المصرى الكبير فى عرض المخطوطات بطريقة «برايل»، كما سلطت الضوء على مبادرة «اكتشفنى» التى أطلقها المجلس لتوعية الأسر واكتشاف مواهب أبنائهم فى قصور الثقافة ومراكز الشباب.
من جانبه، استعرض الكاتب محمد عبدالحافظ ناصف، مستشار الشئون الفنية بقصور الثقافة، جهود الوزارة التى لا تفرق بين مبدع وآخر، مستشهداً بـ «جائزة الدولة للمبدع الصغير». وكشف ناصف عن وجود 11 فرقة فنية متخصصة لذوى الإعاقة على مستوى الجمهورية.
رؤى دولية وبرلمانية
شاركت أوليفيا توديران، سفيرة رومانيا بالقاهرة، بخبرتها الدولية مؤكدة أن «قبول الآخر» يبدأ من التربية الأسرية والمؤسسية لإزالة الصور النمطية، معربة عن فخرها بالجهود المصرية فى هذا الصدد.
وأوضحت النائبة والروائية ضحى عاصى أن نسبة ذوى الإعاقة التى تتراوح بين 10-12 ٪ من المجتمع تعكس ثقلاً ديموغرافياً يتطلب دعماً مستمراً، لافتة إلى أن الأدب والسينما المصرية طالما أنصفا ذوى الإعاقة كرموز للذكاء والموهبة، وهو ما يجب استثماره لتغيير الوعى الجمعى.
أثرى الجانب التقنى الندوة بكلمة الدكتورة نيفين مكرم «أكاديمية السادات»، التى أكدت أن الذكاء الاصطناعى التوليدى أصبح «خادماً» حقيقياً للإتاحة عبر تطبيقات الهواتف الذكية. وهو ما أيده فريد زهران، رئيس اتحاد الناشرين المصريين، مؤكداً أن التكنولوجيا ذللت عقبات تاريخية، مستحضراً تجربة عميد الأدب العربى طه حسين فى رواية «الأيام» ليدلل على أهمية وصول «ثقافة التمكين» للطرفين: الشخص ذوى الإعاقة والمجتمع المحيط به.









