تتعدد النظريات والنماذج الخاصة بإدارة المخزونات، سواء كانت مخزونات غذائية أو طاقوية أو صناعية، حيث تخضع جميعها لمعادلات دقيقة تهدف إلى تقليل الهدر وتعظيم الاستفادة. غير أن أخطر وأعقد أنواع المخزون هو ذلك الذى لا يُقاس بالأطنان أو البراميل، بل بعدد العقول والطاقات، وهو ما يمكن تسميته بالمخزون البشري. إدارة هذا المخزون لا تحتاج فقط أدوات اقتصادية، بل رؤية حضارية شاملة تمزج بين الواقعية والجرأة.
تمتلك مصر واحدة من أكبر الثروات البشرية فى المنطقة، من حيث العدد والتنوع والقدرة الكامنة. لكن هذه الثروة، على ضخامتها، مازالت فى أغلبها غير مستخلصة، أشبه بخام طبيعى لم يمر بعمليات التنقية والتأهيل اللازمة ليصبح منتجًا ذا قيمة مضافة. المشكلة ليست فى الإنسان المصرى ذاته، بل فى المنظومة التى لم تنجح عبر عقود طويلة فى إدارة هذا المورد النادر بكفاءة.
إن الاستثمار فى الثروة البشرية ليس استثمارًا رخيص التكلفة أو سريع العائد. على العكس، هو من أكثر الاستثمارات قسوة وطولاً فى الأمد. فكما يحتاج الحديد صهراً للتخلص من شوائبه، ويحتاج الذهب عمليات معقدة لاستخلاص أنقى ما فيه، يحتاج الإنسان تعليماً حقيقياً وثقافة داعمة كى تتحول طاقته الخام إلى قدرة إنتاجية. تجاهل هذه الحقيقة جعل تكلفة الاستفادة من الإنسان المصرى مرتفعة، تمامًا كما هو الحال فى استخراج البترول الصخري، حيث تتوافر الكمية لكن ترتفع تكلفة الاستخدام.
على مدار عشرات السنين، وربما مئات، لم تُدار الثروة البشرية فى مصر وفق رؤية إستراتيجية واضحة. ظل التعليم يُختزل فى الشهادات، وتحوّل من وسيلة لبناء العقل إلى غاية شكلية تُعلّق على الجدران. فى الوقت ذاته، غابت الثقافة التى تقدّس الجودة والإتقان والتعلّم المستمر، وحلّت محلها ثقافة المظهرية، والبحث عن الوجاهة الاجتماعية، لا عن القيمة الحقيقية.
التعليم لا يمكن أن ينجح بمعزل عن ثقافة مجتمعية حاضنة. فهو حجر الزاوية فى أى مشروع نهضوي، لكن الثقافة تمثل الزاوية المقابلة التى تثبّت البناء أو تُسقطه. مجتمع لا يحترم العمل، ولا يقدّر الإنجاز، ولا يمنح المكانة اللائقة لأصحاب المواهب والمهارات، هو مجتمع يُفرغ التعليم من مضمونه، مهما أنفق عليه من أموال.
أحد أخطر الاختلالات فى إدارة المخزون البشرى هو ترتيب القيم. ففى كثير من الأحيان، يحظى صاحب المنصب أو المال باحترام يفوق كثيرًا احترام صاحب المعرفة أو الحرفة أو الابتكار. هذا الخلل لا يقتل الطموح فقط، بل يعيد إنتاج الرداءة، ويبعث برسالة خفية مفادها أن الجهد لا يُكافأ، وأن الطريق الأقصر ليس هو الأجدر، بل هو الأكثر قبولاً.
كما أن التعامل السطحى مع المجتمع، والاكتفاء بالصورة التى تبدو ناصعة من الخارج، حال دون مواجهة المشكلات الحقيقية الكامنة فى القاع. الإصلاح الحقيقى لا يبدأ من القمم، بل من القواعد؛ من المدرسة، والشارع، والبيت، ومن إعادة بناء منظومة القيم التى تحكم نظرتنا للعمل، والوقت، والمعرفة، والإنسان نفسه.
إدارة المخزون البشرى فى مصر تحتاج «روشتة قاسية» بالفعل، لكنها واضحة: تعليم حقيقى لا شكلي، ثقافة تُعلى من قيمة الإنجاز لا المظاهر، وعدالة اجتماعية تفتح الطريق أمام الكفاءة لا الوساطة. بدون ذلك، ستظل الثروة البشرية رقمًا كبيرًا بلا أثر حقيقي، وطاقة كامنة بلا مردود، وفرصة تاريخية مهدرة تنتظر من يملك الشجاعة لاستخلاصها.









