-محفوظ صاحب مشروع هائل ومتجدد
–الشعر نشيد الإنسان وصوته الخاص
حاوره جمال فتحي
يسير قوافل من الشعراء أو الحالمين بلقب “شاعر” على طريق الشعر الصعب فتزدحم الخطى ويزداد الصخب ويختلط الشاعر الحقيقي بالواهم لا سيما في عصرنا المفتوح حيث يكفي الشخص صفحته على السوشيال ميديا وعدد من اللايكات والاعجابات ليتخيل أنه “وصل”.. أما الشعراء الحقيقيون المخلصون وأصحاب الأصوات المتفردة والتجارب اللافتة فهؤلاء قلة يميزهم العارف بالشعر ودروبه ومن هؤلاء ضيفنا الشاعر عبد الرحمن مقلد الذي فرض صوته وتجربته منذ بداياته ونال أكثر من تكريم و جائزة آخرها جائزة مكتبة الاسكندرية عن ديوانه… ” رأى وتكلم” ومن دواوينه : مساكين يعملون في البحر، و ” سكا بيضا” أحدث إصداراته والذي يحتفل به في معرض الكتاب في دورته الحالية ..الجمهورية تحاوره حول مشاركته في المعرض وآخر جوائزه.
حاوره / جمال فتحي
حدثنا مبدئيا عن انطباعك ومشاركتك في الدورة الحالية لمعرض الكتاب؟
أحتفل هذا الدورة بأحدث إصداراتي ” سكة بيضا” عن دار المحرر للنشر وطبعة جديدة من ديواني رأى وتكلم الفائز مؤخرا بجائزة مكتبة الأسكندرية، كما أشارك في عدد من فعاليات المعرض في دورة تحمل اسم العظيم نجيب محفوظ صاحب المشروع الهائل المتجدد.
ننطلق من جائزة مكتبة الإسكندرية آخر جوائزك فما الذي تضيفه تلك الجائزة لمشوارك وما الفرق بينها وبين جوائز سابقة حصلت عليها؟
حصول ديوان “رأى وتكلم” على هذه الجائزة أعتبره تكريمًا وتتويجًا لديوان راهنت فيه على كتابة النص الطويل، في زمن تميل فيه الكتابة للنصوص القصيرة أو المجتزأة التي تناسب السوشيال ميديا والقراءة السريعة ولا يحتمل الصبر على القراءة والتأمل واستحضار الثقافة والمعطيات والرموز الحضارية والغوص في التاريخ والمعرفة. بالتالي فأن تكتب نصًا واحدًا يتجاوز الـ60 صفحة فهذه مغامرة خضتها وأنا أعرف أن الذائقة تميل الآن إلى النص الغنائي القصير بالذات، لكني آمنت بأن الشعر لا بد أن يقول كلمته، وأن نستعيد القصيدة ذات المعمار الكبير والحركة الدرامية الواسعة مستلهمةً من الملاحم والمتون الكبيرة.

أيضًا أعتبر الفوز احتفاءً بالنصوص التي تحمل الهم العام وتكتب بحرية عن الواقع من خلال حضور الماضي والحاضر معًا.
سبق وحصلت على كل الجوائز، التي تمنحها الدولة المصرية، وأنا حريص على المشاركة فيها، ودعمها، والاحتفاء بالفوز بها.. فهي ترتبط باسم الثقافة المصرية وتدعم وجهة نظر الكتابة المصرية التي تحتفي بالإبداع والتطور والحداثة، وتكافئ مثل هذه النصوص على عكس آخرين لا يزالون يدعمون التيارات المحافظة والتقليدية في الكتابة، لينطبق عليهم مقولة نزار قباني “يلبسون قشرة الحضارة والروح جاهلية””.
(وجوه سلبية للجوائز)
وهل تعتقد أن الجوائز الكثيرة في أكثر من بلد خدمت الشعر فعلا أم أن لها وجوهًا سلبية؟
لا مشكلة لدي مع فكرة الجائزة في حد ذاتها، فكرة الجائزة محفزة على الإبداع ولحظة قدير عظيمة للمبدع، المشكلة في عدد من الجوائز والفعاليات والمؤسسات العربية التي تدعم نصًا فقيرًا مستنسخًا تقليديًا، ومن أجل الفوز بإحدى جوائزها ذات القيمة المالية الهستيرية للأسف على الشاعر أن يتنكر لشخصيته وإبداعه وقضاياه وتطوره وينسخ نصوص الآخرين، بالتالي يتم تسييد ذائقة واحدة لا تؤمن بالانفتاح والتطور.
المشكلة الكبرى أن الأجيال الجديدة من الشعراء تنشأ على مثل هذه الجوائز التي تقدم مقابلًا ماليًا ضخمًا بالتالي لا ترى هذه الأجيال إلا النصوص التي تتطلبها المسابقات وفي الأغراض المراد الكتابة عنها، وللأسف هذا واقع كثير من الشعر العربي الآن، حتى من يكتبون نصًا مبشرًا بدأوا في التراجع عن نصوصهم وكتابة نص عمودي ركيك لا يحترم قيم الإبداع والتطور.
مقلد: انهارت القمة الشعرية الواحدة وظهرت الهضاب المتجاورة.
كيف ترى مشهد الشعر المصري أولًا ثم العربي وما أبرز التجارب التي يمكن الإشارة إليها؟
رغم ما قلت لكن هذا لا يمنع أن هناك نهضة شعرية حقيقية في مصر، وتجارب عربية حداثية ومختلفة في كل الأجيال والكتابات. بعد تراجع ما أعتبره ظاهرة الشاعر النجم ممثلًا في شاعر بحجم محمود درويش بمواصفات معينة وقولبة خاصة، بدأنا نرى تجارب الشعراء المتجاورين من كل الأعمار يقفون معًا على منصة واحدة ويقرأون شعرهم. بالتالي انهارت القمة الواحدة وظهرت الهضاب المتجاورة.. لكي أدلل على الزهو الشعري الذي تعيشه بلادنا وحاضر الشعر العربي المشرق أنظر لحجم الدواوين التي ستخرج لنا في معرض الكتاب المقبل؛ هناك ديوان منتظر للشاعر محمد سليمان وآخر لجمال القصاص وفي أجيال الوسط هناك الأعمال الكاملة لأحمد بخيت وإيهاب البشبيشي، وأعمال عماد أبو صالح صدرت العام الماضي، وديوان لعماد فؤاد، وآخر لأحمد بلبولة، وهناك دواوين صادرة لرنا التونسي ورضا أحمد وآلاء فودة ونورا عثمان من الكتابات النسائية المتطورة والحداثية، ودواوين لشعراء شباب أصحاب تجارب مهمة مثل محمد طايل وحاتم الأطير وأحمد عايد، ذكرت هذه الأسماء للدلالة على المشارب والهويات الفنية المختلفة التي تؤشر لاتساع المشهد الشعري في مصر وتنوعته. أما عن شعر العامية فلا تتسع المساحة لذكر كم الشعر والتجارب الصادرة.

مع ما ذكرت من أسماء دواوين صادرة، وبالتأكيد أنا نسيت أسماء أخرى مهمة، وهناك تجارب لم أتعرف عليها بعد،
هل تتفق مع مقولة “زمن الرواية” حتى لو على حساب الشعر كنتيجة طبيعية؟
لا يمكن أن نقف عند مقولة تقلل من نتاج الشعر في مصر أو تتنكر لتجارب ناضجة وأخرى تنضج على مهل في أطوار وأشكال إبداعية مختلفة تناسب معظم الذائقات. ولا أتصور أن مقولة الراحل الدكتور جابر عصفور في الأصل كانت تقلل من الشعر، ولكن الرجل رصد أن الرواية بدأت تأخذ مكانها الحقيقي كسجل للتاريخ غير الرسمي وتدوين حركة المجتمعات، وهذا أمر طبيعي فالمجال متسع في الكتابة الروائية للرصد ورواية الأحداث من وجهات نظر مختلفة. أما الشعر فيرصد ما هو أعمق وأكثر تماسًا مع القضايا ومع الوجدان في آن.
الدكتور جابر عصفور له كتابات مهمة عن الشعر، وهو كان معاصرًا لأمل دنقل وصلاح عبد الصبور وحجازي ودرويش وقبلهم نزار قباني من التجارب الكبرى فلا يمكن له أن يتبنى رأيًا يخصم من حاضر الشعر، ودوره الجماهيري، فهؤلاء وغيرهم إلى الآن كتاباتهم ونصوصهم المدونة بأصواتهم تسمع ويجري تداولها على أكبر نطاق.
و كيف تفسر ذهاب كثير من الشعراء للسرد؟
عدد من أجمل الأعمال السردية كتبها شعراء، سواء كانت كتابات سيرية أو كتابات عابرة للنوع، أو قصص ورواية، شرط أن تكتب الرواية بلغة الرواية لا بلغة الكتابة الشعرية. كثير من الشعراء يسقطون في هذا الفخ، فيكتبون ما يعتبرون أنه رواية وهي تداعيات لغوية حرة جميلة ولكنها تكون على حساب الدراما وبناء الشخصيات والأحداث، وبالتالي تكون كتابات مفتوحة ولكن لظروف النشر يضع الناشر مسمى “الرواية” عليها أملًا في ترويجها وأحيانًا تكون من أجل التربيط للحصول على جائزة ما.. ولكن هذا كله لا ينفي أن لدينا من جمع بين كتابة الشعر والرواية وأجاد في الاثنين، مثل مريد البرغوثي “رأيت رام الله” وإبراهيم نصر الله “زمن الخيول البيضاء” وغيرها. وأنا أدعو الشعراء لكتابة سيرهم فهي في الأغلب تكون مدهشة وتطلعنا على روافد الشعر ومنابعه، كما أن حكايا الشعراء مختلفة وتحمل من الطرافة والإدهاش. أحب مذكرات بابلو نيرودا “أعترف بأني عشت” و”أوائل زيارات الدهشة” لعفيفي مطر
(الصحافة الثقافية)
كصحفي هل تعتقد أن الصحافة الثقافية ما زالت تضطلع بدورها الحقيقي أم أنها خفتت كما خفت أو تراجع دور النقد؟
مع فضاءات السوشيال ميديا وفوضاها ومقاطع الريلز التي تغرق الحيز الثقافي، تضاءلت سطوة الصحافة الثقافية.. لم نعد ننتظر الأعداد الأسبوعية ولا الشهرية من مجلات كانت تشكل الوعي العام.. وتدشن الكتابات وتضع الضوء على تجربة معينة أو قصيدة أو كتابة فارقة أو تنوه لظاهرة وتخوض معاركها وتثير القضايا والنقاشات المعمقة وتدعم المدنية والتنوير. أنا تربيت على مجلات مثل إبداع الشعر والعربي والدوحة ونزوى والثقافة الجديدة وعالم الكتاب وأخبار الأدب والقاهرة.
الآن تراجعت مساحة الصحافة عامة، والصحافة الثقافية ، فلم تعد تؤثر كما كانت.. لكن هذا لا ينفي أن لدينا تجارب مهمة تعافر وتحاول بكل شكل أن تقدم تأملاتها وقراءتها ورصدها للمشهد الثقافي وتكشف عن الكثير من الأوراق والنصوص والتجارب المفقودة والمتوارية..
وكيف ترى مستقبل تلك الصحافة؟
بالنظر إلى المستقبل أكاد أرى عودة لدور الصحافة والمدونات المعرفية في تحدٍ للسيولة التي تغرق مواقع التواصل والتي تتيح لأي كان أن يكتب ويضع رأيه ونصه في واجهة مساوية للمتحققين والمفكرين والصحفيين والكتاب المحترفين، دون أن يكون هناك أي حكم في المحتوى. ومع تقديري لقيمة الحرية التي تتيحها مواقع التواصل وتوفيرها منصات للنشر فإن وجود أماكن محكمة وتخضع لذائقة حادة وعين ناقدة تعيد ترسيخ المشهد والإمساك به بدل الغرق في فرط السيولة.
(فرادة الصوت.. وأزمة النقد)
وهل تتفق بالأساس أن دور النقد تراجع وأن الصخب الحاصل قليل الجدوى واحتفائي أكثر منه موضوعي؟
لا يختلف حال النقد عن الصحافة الثقافية، لدينا أزمة لا بد أن نعترف بها في رعاية وترويج العلوم الإنسانية؛ أين المساحات المتاحة لدراسة وتداول الفكر والفلسفة وعلم النفس والاجتماع والنقد وتحليل الخطابات، لم تعد تبرز أسماء مثل عبد الرحمن بدوي ومصطفى ناصف وزكي نجيب محمود وجابر عصفور، رغم أن لدينا طاقات ونقادًا ومفكرين واقتصاديين وعلماء لغة جيدين ولكننا لا نمنحهم الاهتمام الكافي للظهور ولا المنابر التي نستطيع أن يلقوا من خلالها بخطاباتهم..
عن النقد خاصة لدينا أجيال من النقاد الشبان الذين ينحتون في الصخر من أجل تقديم معارفهم وتطوير قدراتهم، ما يحركهم هو الشغف وحده ومحبة الكتابة والجدال العقلي السليم الذي يطور أفكار الحيز الإنساني.. أحب ما يكتبه مدحت صفوت وسيد ضيف الله وشريف حتيتية وعبد النبي عبادي ومحمود وجيه، مع حفظ الألقاب والتقدير، قرأت لهم إنتاجات جادة أخيرة مليئة بالحيوية وقادرة على طرح الأسئلة.
فرادة الصوت الشعري أهم سمة لتحقق أي تجربة شعرية فأين ذهبت تلك الفرادة في مشهد مكدس بالتكرار والاجترار؟ كما قلت لدينا أزمة في محاولة فرض ذوق معين وتسييد نص واحد من خلال دفعه بالجوائز وتوفير مناخ تشاركي لإنتاجه.. للأسف هذه آفة تضرب الأجيال الجديدة في الشعر على مستوى الوطن العربي كله؛ أغلب الشعراء مجذوبون بإغراء الأموال المفتوحة لكتابة نص عمودي محدود، لكون هذا النص يصلح للسابقات، شرط أن يخلو من أي قضية أو معرفة أو جدل.. نص ذاتي مهوَّم، معاد ومكرر، مستنسخ، قائم على المفارقات اللغوية الفقيرة. للأسف أطالع عشرات النصوص يوميا بنفس هذه المواصفات التي تريدها من يدفع.. ولكن في المقابل هناك من الشعراء من يؤمنون بالفرادة وبدور الشعر وبأنه نشيد الإنسان وصوته، وهؤلاء على امتداد الوطن العربي كله يحاولون ويكدحون من أجل نقاء الفن وصيرورة الحياة إلى الأمام لا الثبات العاجز الذي يريدنا البعض أن تقبع فيه









