الدورة الجديدة لمعرض الكتاب نحتفى بالكاتب الكبير نجيب محفوظ الذى اختير شخصية المعرض ولاقى هذا الاختيار استحسانًا واسعًا لتكون الفرصة سانحة أمام القراء الشباب لإعادة اكتشاف أعمال أديب نوبل والتعرف على تراث إنسانى ثرى بقلم نابض بالأفكار والمشاعر، لا يفقد قيمته مع مرور الزمن بل تتجدد معانيه وتستدعى التأمل والتعلم.. وإذا كان سؤال: ماذا يقرأ الشباب ؟ ولمن يقرأون ؟ يتجدد من حين لآخر.. بحثا عن نتائج معادلة دخلها مؤخرًا التريند والأفضل مبيعًا وترشيحات القراء على مواقع السوشيال ميديا.
ومع ذلك نؤكد أن مكانة ومساحة «النجيب» محفوظة لدى الشباب.. تتسع مع النضج عندما يتعرفون أكثر على شخصيته ويغوصون فى عمق أعماله.
قد تتغير دور النشر لكن نرصد ارتفاع المبيعات للنسخ القديمة وأيضا الجديدة.. تتحول اقتباسات من أعماله إلى بوستات ويظهر وجهه البشوش بابتسامته ونظارته وحسنته الشهيرة على بوسترات أو حقائب.
نجيب محفوظ والشباب.. عنوان واسع نحاول اختصاره – دون إخلال- فى لقاءات مع بعض قرائه: نسألهم عن أهم أعماله وكيف تناول محفوظ قضايا الشباب ونقدم لغير القراء دليلاً مبسطاً لاكتشاف أثره والاستمتاع بإبداعه.
السهل الممتنع
نبدأ بالقراء المخلصين «مين ميحبش نجيب محفوظ؟» هكذا بادرتنا أمل دياب -طبيبة أطفال:
عثرت على الثلاثية فى مكتبة المدرسة لاقرأ له وأنا فى الإعدادية – يراودنى الفضول بعد مشاهدة فيلم «بين القصرين» ووجدتنى أواصل القراءة وامتدت القائمة إلى قشتمر، الثلاثية، الحرافيش، التنظيم السري، الكرنك، زقاق المدق، اللص والكلاب، خان الخليلى، حديث الصباح والمساء وغيرهم.
بهرنى أسلوبه السهل الممتنع: لغة عربية سليمة وفى نفس الوقت لا تشعر بثقل بالفصحى بل بسلاسة التعبير ودقة الحوار وتعبيره عن الشخصيات.. لا أعتقد أن هناك كاتب آخر وصل لهذه الإجادة والسلاسة، رواياته ذات طابع فلسفى واضح وأدبه مر بمراحل انتقالية من التاريخى إلى الواقعى ثم الرمزى ثم الشعرى والفلسفى .
كقارئة لدى قناعة أن نجيب محفوظ أفضل من كتب عن الحارة المصرية بينما خيرى شلبى أفضل من كتب عن الريف: كان يناقش قضايا عصره السياسية والاجتماعية من خلال رواياته سواء بأسلوب رمزى أو واقعى.
وأعماله مازالت تصلح للقراءة والتأويل بدليل تنافس دور النشر على حقوق إعادة طباعتها بشكل يتماشى مع أذواق الأجيال الجديدة خاصة فى شكل الغلاف الخارجى وترتيب الأعمال.
وتضيف أمل: قضايا الشباب موجودة بقوة فى أعماله سواء شباب الماضى أو الحاضر وأرشح للجيل الجديد من القراء أعماله التى قدم منها نسخاً لليافعين مثل كفاح طيبة وعبث الأقدار أو كذلك لعشاق الفانتازيا أدعوهم للاستمتاع بليالى ألف ليلة ورحلة ابن فطومة، وبشكل خاص أحب قشتمر وثرثرة فوق النيل وأفراح القبة ولمن يريد التعرف على عظمة نجيب محفوظ سيجد فى الحرافيش والثلاثية أكبر دليل.
ترمومتر القراءة
جروبات القراءة على السوشيال ميديا تعكس مؤشرات حقيقية عن نجيب محفوظ والشباب
موناليزا محمد- طبيبة أسنان- أدمن جروب Book Hub الذى يضم أكثر من 20 ألف عضو، لها تجارب فى كتابة القصة وأيضا تقدم مراجعات للكتب على الانستاجرام والتيك توك، تعتقد أن اعمال نجيب محفوظ ليس لها زمن أو سن معين لكن فهمها يستلزم تجارب معينة.
تواصل: بدأت بأفراح القبة وحديث الصباح والمساء وأعجبتنى قدرته على بناء رواية أجيال رغم كثرة الشخصيات وأعماله دوما لا تخلو من رموز واسقاطات تستدعى مستويات من الفهم منها الواضح مثل ميرامار وشخصية زهرة المعبرة عن مصر مثلاً.
مؤكدة أن التعرف على شخصية نجيب محفوظ يصنع الفارق فهى مثلا استمتعت إلى «بودكاست» ساعدها على استيعاب أفكاره ومراحله، وبعدها أصبح نجيب محفوظ مكاناً ثابتاً فى قراءاتها على الأقل 3 أو 4 كتب كل عام.
وتشير إلى ترمومتر القراءة على الجروب يكشف إقبال الشباب على الفانتازيا أو الرعب مع رغبة متجددة فى اكتشاف الكلاسيكيات، لذلك ترشح لهم نجيب محفوظ، فهو، فى رأيها، أولى بالقراءة من الكلاسيكيات العالمية باعتباره المصرى والعربى الوحيد الحائز على نوبل.
وتراعى -عند الترشيح- اختيار الأعمال ذات الرموز البسيطة وتتناول أحداثا أو تعالج قضايا قريبة من حياتنا اليومية لتصل أفضل إلى قاريء أول مرة مثل مجموعة بيت سبئ السمعة وأيضاً صدى النسيان.
وتشجع محبى التشويق والنوع البوليسى على قراءة اللص والكلاب مثلا وتمتاز أعماله أنها تتخطى النوع إلى معانى أعمق، لذلك تظهر قضايا الشباب وأهمها البحث عن الهوية أو الذات فى هذا العمل وأيضاً رواية الطريق ويتفوق محفوظ فى طرح الصراعات النفسية لأبطاله مع الفكرة الفلسفية التى تغلف هذه الأعمال.
تلاحظ موناليزا – من خلال صفحتها لمراجعات الكتب- أن الاهتمام بنجيب محفوظ متجدد.. كان تريند فى فترة انتقال أعماله لناشر جديد قدم نيولوك للروايات مما قدمه بشكل أفضل للأجيال الجديدة وأيضاً تحويل بعض الأعمال إلى كوميكس مما يزيد شعبيتها لكن قاريء نجيب محفوظ سيعثر فيه على أكثر وأبقى من التريند وأبعد وأعمق من الفضول واختياره شخصية المعرض يعيد له اعتباره كمدرسة أدبية عريقة ومتجددة.
رسالة وكتاب
ثراء عالم نجيب محفوظ يجتذب أيضاً الباحثين الشباب مثل حنان راضى – مدرسة لغة عربية لغير الناطقين بمركز اللغة والثقافة بجامعة القاهرة التى عشقت رواية الحرافيش وأعدت عنها رسالة الماجستير من قسم اللغة العربية وآدابها وتحولت مؤخراً إلى كتاب «صور التقابل فى رواية الحرافيش» وتستعد لحفلة التوقيع غدا فى معرض الكتاب.
تحدثنا عن الملحمة الصادرة عام 1977 التى عاشت بين صفحاتها أكثر من 6 سنوات.. تتأمل وتتعمق وتحلل من أجل رسالتها فهى أهم وأطول وأكبر رواياته «10 حكايات فى أكثر من600 صفحة» ويقال انه كتبها فى موسم واحد وراجعها مرة واحدة رغم طولها وتشعبها واعترف للناقد د.حسين حمودة أنها أهم أعماله وهى بحق سابقة لعصرها ومتجددة لذا استعانت بالسيموطيقا أو علم العلامات تحلل به صور التضاد حيث تختصر الملحمة الحياة فى ثنائيات متقابلة: الفقر والغني.. القوة والضعف..الظلم والعدل.. الكبير والصغير الخ.
وتوضح أن كل شيء موظف فى أدب نجيب محفوظ حتى أسماء الشخصيات لذلك قارئه مقبل على رحلة ممتعة، مشيرة أن الصورة مدخل مناسب لهذا الجيل الذى تجذبه الكتب الإلكترونية والكتب الصوتية ويمكنه التعرف على نجيب محفوظ عن طريق أعماله التى تحولت إلى أفلام مما يفتح أبواب المقارنة أو الأغلفة الجذابة ذات الإخراج الجديد.
وترى أن هموم مرحلة الشباب مثل الشعور بالضياع أو تأثير الظروف الاجتماعية موجودة فى أعماله.. يعبر عن معاناة الرجل والمرأة بنفس الإتقان، بل لمحفوظ اتجاهات حديثة مثل تصوير المرأة الفتوة فى الحرافيش «الحكاية التى تحولت لفيلم شهد الملكة|حيث الجمال هو سلطتها».
وتضرب المثل بقضية أدوار الزوجين فى الأسرة التى نختصرها بـ قضية سى السيد وأمينة فى الثلاثية وما زال الجدل قائما حتى بين أبناء هذا الجيل.
وتتنوع أعماله التى يمكن تصنيفها كواقعية أو رومانسية أو حتى بوليسية.. وأخرى تنتمى لبعد الحداثة مثل أحلام فترة النقاهة مما يجذب فئات واسعة من القراء بمختلف الاهتمامات بل تؤكد ان محبى الأبطال الخارقين سيجدون ضالتهم فى الحرافيش حيث مزيج بين الاجواء الأسطورية والشعبية وهذا هو سر وسحر نجيب محفوظ الذى يجمع بين الفلسفة والبساطة فى مزيج فريد.









