هناء متولي واحدة من الأصوات الشابة من أصحاب المواهب اللافتة، تتسم بامتلاك رؤية حساسة لالتقاط تفاصيل من لا صوت لهم، الكتابة لديها فعل تعاطف ومحاولة للفهم.
صدر للكاتبة عدد من الإصدارات منها رواية «يوم واحد للقتل» و«التنفس بحرية اثناء السقوط»، وحصدت العديد من الجوائز منها جائزة سعاد الصباح.
> لماذا تنشغل كتابتك بقضايا المرأة المجتمعية وما تعانيه من قهر وعنف؟
> > أنا لا أنشغل بقضايا المرأة بوصفها قضية منفصلة أو موضوعًا أختاره عن وعي مسبق، ولكن لأنها مدخل إنساني ووجودي لفهم العالم. التجربة النسوية، كما أراها وأعيشها، تكشف هشاشة البني التي تحكم العلاقات الإنسانية كلها: السلطة، الصمت، القهر، والخوف من الاختلاف. حين أكتب عن النساء، فإنني في الحقيقة أكتب عن الإنسان حين يُدفع إلي الهامش، وحين تُنتزع منه مساحات الاختيار والتعبير.
انحيازي ليس للجندر بقدر ما هو انحياز وتعاطف لكل المهمشين والمقموعين، أيًا كانت هويتهم أو مواقعهم. القهر يتغيّر شكله لكنه يحتفظ بجوهره، والكتابة بالنسبة لي محاولة لفهم هذا الجوهر لا لتقديم شعارات حوله. ما يبدو في النصوص عنفًا أو ألمًا هو انعكاس لتجارب إنسانية عميقة، دون أي رغبة في الإدانة أو المبالغة.
> الموت ايضا حاضر في حكاياتك، كيف ترين ذلك؟
>> الموت في كتابتي ليس فكرة سوداوية ولا رغبة في تمجيد الفقد، هو ببساطة جزء من رؤيتي للحياة نفسها. حيث أنني لا أراه نقيضًا لها، بل مرادف وحد ملازم لوجودها. حضوره في الحكايات يجعل كل شيء أكثر صدقًا: العلاقات، الخوف، الحب، التفاصيل الصغيرة التي نمر عليها سريعًا. وللغرابة أننا حين نعي فكرة الفناء، نصبح أكثر انتباهًا للحياة.
أما الاحتفاء بالحياة، فأراه مستحيلًا من دون مواجهة هشاشتها. الكتابة التي تتغاضي عن الموت قد تكون أخفّ، لكنها ليست أعمق.
الكتابة النسوية
> ما رأيك في مصطلح كاتبة نسوية وهل توافقين ان إبداعك يندرج تحت هذا المسمي؟
>> مصطلح «كاتبة نسوية» لا يزعجني، لكنه يربكني، ربما لأن هناك ارتباكًا حقيقيًا في العالم كله حول معني «النسوية» نفسها. المصطلح لم يعد يحمل دلالة واحدة واضحة، بل صار محمّلاً بتأويلات متناقضة، أحيانًا تُفرغه من معناه الإنساني، وأحيانًا تحوّله إلي تصنيف إقصائي جديد.
أنا أكتب من موقع امرأة تري العالم وتختبره بجسدها وتجربتها، وهذا ينعكس طبيعيًا علي كتاباتي، لكنني في النهاية لا أكتب بيانًا خطابيًا ولا أسعي لتمثيل نموذج أو أيديولوجيا. لذلك إن كان المقصود بالنسوية هو تفكيك القهر، والسعي إلي العدالة، والدفاع عن حق الإنسان في الحرية والاختيار، فأنا قريبة من هذا المعني. أما إذا كان المصطلح يُستخدم لاختزال النص أو محاكمته قبل قراءته، فأتحفّظ عليه بالطبع.
> تستخدمين في كتابة القصص تقنيات من أنواع أدبية أخري مثل الرسائل أو المسرح لماذا تجربين هذا الخلط؟
>> أحب دائمًا أن أبحث عن شكل جديد ومختلف للكتابة مادام سيخدم النص ويظهره في صورته الإبداعية الحقيقية، فاللعب أو الخلط أو التجريب ليس هدفًا في حد ذاته بل أداة إبداعية، فالكتابة في أصلها تجربة مستمرة، تتنفس بين الداخل والخارج، بين الصوت المخبأ والصوت المعلن، بين ما يراه القارئ وما يحتفظ به النص لنفسه، كل تقنية وكل خيط جديد بمثابة جسر يفتح أمام النص مساحات لا يستطيع الشكل التقليدي الوصول إليها، مما يجعل النص أكثر حيوية، ويربطه بالقارئ بطريقة صادقة ويكشف عن صورته الحقيقية لا عن نسخة مكررة مسبقًا،واستخدامي للتقنيات المختلفة «الرسائل، المسرح، المونولوج» ليس مجرد لعب بالأشكال، بل محاولة لأسمع الأصوات من الداخل، لأفتح النوافذ علي ما لا يُقال عادة، ولكل تقنية طريق مختلف للوصول إلي نفس الحقيقة، لأن كل تجربة تحتاج لصوتها الخاص.
الخرافة والواقعية
> في روايتك «يوم آخر للقتل» حضرت الاسطورة والخرافة رغم واقعية أحداث الرواية، ما ضرورة ذلك المزج؟
> > الأسطورة والخرافة كانت جزءًا أصيلاً من المكان في رواية «يوم آخر للقتل»، من الريف بكل تقلباته وتشوهاته وصورته الجديدة الضائعة وسط حداثة خارجية وعقول تنزح تحت وطأة الخرافات، لذلك كان المزج بين الواقع والخرافة ضروريًا لإبراز تناقض ذلك المجتمع، ليُظهر كيف تتصارع الحداثة مع القديم، وكيف يعيش الناس بين ما يفرضه الواقع وما يفرضه الخيال الشعبي، وكيف يصبح المكان نفسه شاهداً علي الصراع النفسي والاجتماعي، علي العنف الرمزي والانكسار الصامت، وعلي تلك اللحظات التي لا يستطيع الواقع وحده حملها.
> ماذا يعني لك الفوز بجائزة معرض الكتاب لهذا العام؟ وفكرة أن تعلن الجوائز في أيام المعرض الاولي؟
>> الجائزة هي انتصار للنصوص، انتصار للتجريب وللكتابة التي تُكتب من داخل الوجع، ورد اعتبار للكتابة النسائية ولشباب كتاب القصة ضد أي محاولات للتقليل أو التهميش. لذلك لا أراها انتصارًا شخصيًا بالمعني المباشر، ربما يكمن انتصاري الحقيقي في القدرة علي كتابة النصوص نفسها. لهذا أعتز بها جدًا، خاصة وأنها تحمل اسم معرض القاهرة للكتاب العريق، وتأتي بتقدير من دولتي ومحيطي. الإعلان عنها في بداية المعرض كان نعمة وخطوة ذكية للغاية، لأنه يمنح النصوص الفائزة الفرصة لتحصل علي حقها الكامل من الاحتفاء والمعرفة.
> ما الذي يعنيه لك الأديب «نجيب محفوظ»؟
>> نجيب محفوظ كاتب عظيم، مستقل ومكافح، صاحب تجربة حقيقية وواسعة، آمن بموهبته في وقت الصمت والعمل الشاق، وعمل بلا كلل علي تطوير أدواته وإتقانها، وأخلص لفن الكتابة بكل جوارحه. لذلك أراه مثالاً رائدًا وقدوة للإخلاص في الكتابة، وللإيمان بالذات رغم أي تشكك داخلي أو حروب خارجية تحيط بالكاتب. تجربته تعلمنا أن الكتابة ليست مجرد موهبة، بل موقف وممارسة مستمرة تتطلب صبرًا، انضباطًا، وإيمانًا عميقًا بالقدرة علي أن تري الكلمات الحقيقة وتبني بها العالم.









