لماذا يفشل إصلاح الجهاز الإدارى دائمًا؟
يُعدّ الجهاز الإدارى للدولة المصرية واحدًا من أضخم وأعقد الأجهزة البيروقراطية فى المنطقة، كيان متراكم عبر عقود طويلة، حتى بات أشبه بغول إدارى يصعب التحكم فيه أو إعادة تشكيله بسهولة. ورغم تعدد محاولات الإصلاح منذ أكثر من سبعين عامًا، ظل الفشل هو العنوان الأبرز، لا لغياب الإرادة السياسية دائمًا، ولا لقصور التشريعات فقط، وإنما لسبب أعمق وأكثر خطورة يمكن تسميته بـ «العدوى الوظيفية».
> > >
المشكلة الحقيقية ليست فى وجود جهاز إدارى ضخم، فالدول الكبرى تمتلك أجهزة إدارية أضخم وأكثر تشعبًا، لكنها ناجحة وفعّالة. الفارق الجوهرى يكمن فى طريقة إدارة هذا الجهاز، وآليات تجديده، وقدرته على طرد العناصر الفاسدة والمعطلة بدلًا من إعادة إنتاجها، فى الحالة المصرية، تحوّل الجهاز الإدارى إلى منظومة مغلقة، لها أعرافها غير المكتوبة، وقوانينها الفعلية التى كثيرًا ما تتغلب على القانون الرسمي.
> > >
العدوى الوظيفية تحدث عندما تنتقل أمراض البيروقراطية من جيل إلى جيل. الموظف الجديد لا يدخل الجهاز الإدارى صفحة بيضاء، بل يدخل إلى بيئة جاهزة للتشكيل، حيث تقوم العناصر القديمة بتلقينه أسرار «دهاليز العمل»، لا باعتبارها خبرة إيجابية، بل باعتبارها أدوات للتحايل، وتأجيل الملفات، وقتل المبادرات، وتفريغ أى محاولة إصلاح من مضمونها. هكذا تنتقل العدوي: جيل يسلم جيلاً مفاتيح التعطيل بدلًا من مفاتيح التطوير.
> > >
أخطر ما فى هذه العدوى أنها لا تحتاج إلى فاسدين كبار أو شبكات منظمة، بل يكفى عدد محدود من العناصر الراسخة داخل كل مؤسسة، لتقوم بتطويع القادمين الجدد وفق القاعدة السائدة: «امشى جنب الحيط»، «ما تتعبش نفسك»، «كده الشغل ماشى من سنين».. ومع الوقت، تتحول الاستثناءات إلى قواعد، ويصبح الأداء الضعيف هو الوضع الطبيعي، بينما يُنظر إلى الموظف المجتهد باعتباره عنصر إزعاج.
> > >
لهذا السبب فشلت معظم محاولات الإصلاح الإدارى السابقة، لأنها اعتمدت على تغيير اللوائح أو استحداث هياكل جديدة، دون المساس بجوهر المنظومة البشرية القائمة. يتم ضخ دماء جديدة، لكن يتم حقنها فورًا بالعدوى القديمة. يتم الإعلان عن برامج تدريب، لكن يتم احتواؤها داخل الثقافة البيروقراطية نفسها، فتخرج بلا أثر حقيقي.
> > >
التاريخ يقدم لنا درسًا بالغ الدلالة. عندما قرر محمد على باشا بناء جيش مصرى حديث، أدرك أن المشكلة ليست فى السلاح فقط، بل فى العقلية. فأرسل الأفراد المرشحين إلى أسوان، بعيدًا عن الأطر التقليدية، وبعيدًا عن الأدبيات الراسخة والعلاقات الاجتماعية القديمة. كان الهدف خلق عناصر جديدة بعقل جديد، غير ملوثة بثقافة الهزيمة أو التراخي. هذا الإدراك التاريخى يصلح اليوم كقاعدة ذهبية لإصلاح الجهاز الإداري.
> > >
من هنا تبرز فكرة «العزل الوظيفي»، ليس بمعناه العقابى أو الانتقامي، بل كإجراء إصلاحى ضروري. العزل الوظيفى يعنى فصل مسارات التطوير عن البؤر المزمنة للعدوي. يعنى إنشاء وحدات ومؤسسات جديدة تعمل بقواعد مختلفة، بعقليات مختلفة، وبنظام تقييم صارم، مع منع تسلل الثقافة القديمة إليها. ويعنى أيضًا إعادة توزيع العناصر التى ثبت تورطها فى التعطيل المزمن، أو إخراجها تدريجيًا من مواقع التأثير.
> > >
الإصلاح الحقيقى للجهاز الإدارى لا يبدأ من القمة فقط، ولا ينجح بالقرارات وحدها، بل يحتاج إلى هندسة بشرية جديدة. يحتاج إلى كسر حلقة التوريث البيروقراطي، وإعادة تعريف معنى الوظيفة العامة باعتبارها تكليفًا لا غنيمة. دون ذلك، سيظل الجهاز الإدارى يعيد إنتاج أزماته، مهما تغيرت الحكومات وتعددت الخطط.
> > >
فى النهاية، لا يمكن لدولة تسعى إلى المنافسة فى عالم «ما بعد الواقعية» أن تظل رهينة جهاز إدارى مريض. المعركة الحقيقية ليست مع القوانين، بل مع العدوي. وإذا لم نملك الشجاعة لعزل المرض، فلن ينجح أى علاج، وسيظل الإصلاح مجرد شعار يُرفع ثم يُدفن فى دهاليز البيروقراطية.









