بجوار مسجد الفتح برمسيس، صعدتُ إلى ميكروباص «السيدة عائشة» متجهاً إلى منطقة «البيبانى» وبمجرد جلوسي، صعد رجل سبعينى من النوع الذى يقرأ ملامحك قبل أن ينطق، تظهر عليه علامات الجهد والشقاء. نظر إليّ ثم ابتسم ابتسامة صفراء، وأشار بيده للسائق: «امشِ خلاص.. الميكروباص اكتمل» دقائق ورمى جملة كأنها طلقة وسط السكون القاتل: «هو إحنا جرى لنا إيه؟ سندوتش البطاطس أصبح بـ 17 جنيهًا وكيلو البطاطس بـ 8 جنيهات؟!».
ساد صمت بين الركاب قبل أن يغلق السائق صوت المذياع الذى كان ينقل نسمات روحانية بمناسبة حلول شهر شعبان. لحظات وتحول الميكروباص لساحة محاكمة ، سيدة اتهمت «الجشع»، وآخر لعن «الظروف»، وثالث دخل فى تحليل سياسى لانتخابات أمريكا وعلاقتها بزيت القلي! أما أنا، فكنت أسرح فى «سندوتش الأزمة».. هل نحن فعلاً ضحايا، أم أننا «الممول الرسمى» لهذه المعادلة غير المنطقية التى تصل إلى حد النصب الممنهج؟
وسط تداخل الحديث والتنظير والفلسفة والتقريع، إذا بالرجل العجوز يفحم الكل ويقول: «لو جئنا بطفل فى «أولى ابتدائى» يجمع ويطرح، سيكتشف أن السندوتش الذى يبيعه (المحل) بـ17 جنيهًا، ما هو إلا ربع كيلو بطاطس بـ جنيهين، ونقطة زيت «لو افترضنا أنه يتغير أصلاً»، وقليل من السلطة والطحينة مجهولة الهوية. وبالغاز والعمالة والإيجار، لن تتخطى تكلفته 6 جنيهات».
ثم أكمل حديثه موجهاً كلامه إلى السائق: «إذن، أين تذهب الـ 11 جنيهاً الباقية؟ هل هى بدل وجاهة؟ أم ثمن الكيس الكرتونى الذى يُلقى فى القمامة بعد ثوانٍ؟».. تغيرت نبرة الرجل قبل أن يوجه الحديث نحوى: «الحقيقة أننا ندفع ثمن طموح صاحب المحل فى شراء فيلا أو تغيير سيارته، وإحنا واقفين فى الطابور بنقول: معلش.. ما هو كله غالى!».
سكت الميكروباص قبل أن تبادر سيدة وقورة، يظهر من مظهرها أنها تشغل منصباً مهماً ولكن الظروف دفعتها لتركب معنا.
وبدأت تحلل الموقف وتوضح أن صاحب المحل ليس غبياً فهو يراقب صمتك، وكلما زاد صمتك زاد هو «التعريفة». ثم قالت بهدوء: «لقد أصبحنا نشترى (البراند) واللافتة المضيئة..
وبادر السائق بطلب الأجرة وهو يقول متهكماً: «كل اثنين يجهزوا ثمن سندوتش بطاطس لو سمحتم!».
نزلت من الميكروباص وأنا أقول لنفسى: الحل ليس فى «لجنة تفتيش» على المحلات، أو إعادة تقييم الضرائب، أو عودة التسعيرة الجبرية، بل فى «لجنة وعي» داخل كل واحد فينا. لو قررنا ــ ولو لمرة واحدة ــ أن نقاطع سندوتش البطاطس «أبو 17 جنيهًا» لأسبوع واحد، لتغير الحال.
أقول لنفسى قبل أن أقول لكم: طالما أننا نقبل أن نكون «شركاء فى الجريمة» بالسكوت والاستمرار فى الشراء، فلا نلوم التاجر إذا اعتبرنا «ماكينة صراف آلي». وغداً، لووصل السندوتش لـ30 جنيهاً، سنركب نفس الميكروباص، ونعيد نفس الكلام، ونشترى نفس السندوتش.. فهل العيب فى «حبة البطاطس»، أم فى «النفوس» التى استمرأت الدفع وهى تشتكى؟









