«الدسوقى»: رصاص الاحتلال لم يفرق بين دم المسلم والمسيحى
تحقيق: ماجد فهيم
قدمت معركة الاسماعلية فجر الخامس والعشرين من يناير عام 1952 نموذجًا للتلاحم الشعبى والرسمي، عندما رفض أبطال الشرطة إنذار القوات البريطانية بتسليم أسلحتهم وإخلاء مبنى المحافظة، وفضلوا المقاومة على الاستسلام فى معركة حملت كل معانى البطولة والصمود.
فى هذه المعركة جاءت مشاركة الأقباط – بدافع وطنى – كجزء أصيل من ملحمة وطنية سطرها أبناء الشرطة، حيث شارك اليوزباشى عبدالمسيح مرقس إلى جوار زميله اليوزباشى مصطفى رفعت فى قيادة المقاومة وتنظيم صفوف القوات وتوزيع السلاح عليهم داخل مبنى المحافظة المُحاصر من القوات الإنجليزية.
كما ساهم عدد كبير من الضباط والافراد الاقباط مع زملائهم المسلمين فى الدفاع عن كرامة الوطن، رغم ضعف أسلحتهم فى مواجهة آلة الحرب التى تملكها بريطانيا العظمي، وكان ذلك بدعم ومباركة من الكنيسة القبطية والبابا فى ذلك الوقت يوساب الثاني، مما يكشف فصلا جديدًا فى كتاب الوطنية المصرية، ودور الكنيسة إلى جوار الأزهر، حيث شجعت الأقباط على الانخراط فى صفوف المقاومة، وقدموا نموذجًا يُحتذى به فى الصمود والدفاع عن كرامة الوطن إلى جانب أخوتهم المسلمين، حتى نفدت ذخيرتهم وسقط الشهداء من أبطال الشرطة، ولم يفرق رصاص الإنجليز بين دم المسلم ودم المسيحي، وسالت الدماء المصرية واختلطت على أرض المعركة دفاعًا عن كرامة الوطن.
«الجمهورية» ترصد سطورًا خالدة من بطولات الشرطة المصرية..
دماء المصريين
> فى البداية يقول الدكتور عاصم الدسوقى أستاذ التاريخ بجامعة حلوان: ظل الشعب المصرى طوال تاريخه وحدة واحدة لا يفرق بين أبنائه دين أو معتقد، وهذا سر بقاء الدولة المصرية وسر حضارة مصر وريادتها عبر العصور رغم محاولات الاستعمار التفرقة بين أبناء الوطن الواحد، حيث وقف المثقفون وأصحاب الأقلام الوطنية بالمرصاد لمثل تلك الدعاوي، فدماء المصريين واحدة، وحبهم للوطن جعلهم نسيجًا واحدًا تجلى فى أروع صوره خلال ثورة عام 1919م حينما رفع المصريون شعار «يحيا الهلال مع الصليب».
أضاف: يذكر التاريخ بأن اليوزباشى مصطفى رفعت قاد المقاومة وإلى جواره اليوزباشى عبدالمسيح مرقس ومعهم العشرات من الضباط والمئات من بلوكات النظام مسلمين وأقباطا، يحملون البنادق الخفيفة فى مواجهة الدبابات والمدافع البريطانية التى حاصرت مبنى المحافظة فى محاولة لاقتحامه، لكنهم فشلوا أمام صمود أبطال الشرطة واستبسالهم فى الدفاع عن كرامة الوطن على مدار 6 ساعات سقط خلالها مايقرب من 57 شهيدًا مصريًا وأكثر من 80 مصابًا لتسيل دماء المصريين على أرض الاسماعيلية ويختلط الدم المصرى ليؤكد وحدة الدم ووحدة المصير، وتبقى هذه المعركة خير شاهد على وحدة المصريين وتلاحمهم.
> يقول الكاتب والروائى يوسف القعيد: إن معركة الإسماعيلية شهدت تلاحمًا شعبيًا ضم كل أطياف الشعب المصرى الذى رفض التعاون مع قوات الاحتلال حينما استجاب أكثر من 90 ألفا من العاملين فى معسكرات الجيش البريطانى لنداء الجهاد، وقرروا الانسحاب من العمل، كما تضامن معهم تجار الخضر والفاكهة وموردو اللحوم والسلع التموينية وقرروا قطع التوريد، إلى جانب قيام الشباب المصرى بعمليات فدائية ضد معسكرات الاحتلال فى مدن القناة بتشجيع من رجال الأزهر والكنيسة، فاصطف الشعب بكل طوائفه ضد الإنجليز عند حصار مبنى محافظة الاسماعيلية فجر يوم 25 يناير عام 1952 ليظهر التلاحم الوطنى فى أبهى صوره، حينما وقف اليوزباشى مصطفى رفعت ومعه اليوزباشى صلاح ذوالفقار وإلى جوارهم الملازم بقطر جرجس والملازم إيليا اسكندر رافضين تهديدات قادة القوات البريطانية بالاستسلام وتسليم الأسلحة فتعاهدوا على المقاومة حتى الشهادة، وقادت الشرطة المقاومة لمدة 6 ساعات حتى نفدت الذخيرة، فسقط فى ذلك اليوم العشرات من الشهداء المصريين، ولم يفرق رصاص الاحتلال بين مسلم ومسيحى.
دور وطنى
> ويقول ملاك بشرى الباحث فى التاريخ القبطي: إن الاحتفال بعيد الشرطة يجسد بطولات أبناء هذا الجهاز الذين قدموا ملحمة كفاح ونضال ضد قوات الاحتلال، حيث اصطف المصريون ولديهم عقيدة ثابتة «الدين لله والوطن للجميع»، وبرز الدور الوطنى للكنيسة القبطية التى شجعت أبناءها على الانخراط فى أعمال المقاومة والعمليات الفدائية بمدن القناة ضد معسكرات الجيش البريطاني.
وأضاف: نشرت جريدة «الأهرام» فى عددها الصادر فى 15 نوفمبر 1951 أن البابا يوساب الثانى أوفد الانبا يوأنس مطران الجيزة والقليوبية والأنبا توماس مطران البحيرة والغربية آنذاك على رأس وفد كنسى للمشاركة فى الاحتفال بعيد «الجهاد»، وأنهم خرجوا فى المسيرة الوطنية التى جابت شوارع القاهرة ورصدت عدسات المصورين الشيخ حمروش وهو يتأبط ذراع الانبا توماس خلال المسيرة، وصرح البابا يوساب بأن أقباط مصر كانوا فى مقدمة صفوف الجهاد وأن دماءهم سالت مع دماء اخوتهم المسلمين من أجل الوطن، وبناء على هذه التصريحات شارك شباب الاقباط فى العمليات الفدائية كما كان لأهالى مدن القناة من الأقباط دور كبير فى دعم العمليات الفدائية بتقديم الدعم اللوجيستى والإيواء للفدائيين.
الروح الوطنية
> تقول الدكتورة سامية قدرى أستاذ علم الاجتماع بكلية البنات جامعة عين شمس: تميزت تلك الفترة بالاصطفاف الوطنى وشهدت توافقًا وطنيًا وتأييدًا من الكنيسة المصرية للحراك الوطنى والمقاومة ضد الاحتلال، مما عزز من الروح الوطنية للفدائيين فى عملياتهم الفدائية وخير شاهد على ذلك الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى الذى قال إن بلوكات النظام كانت تضم بين عناصرها ضباطا وجنودا من الأقباط وإنهم رفضوا الاستسلام، فكان التلاحم بين أبناء الوطن الواحد فى الكفاح ضد المستعمر، وسقط منهم شهداء ومصابون الى جانب اخوتهم المسلمين، كذلك شارك شباب الأقباط فى العمليات الفدائية ضد معسكرات القوات البريطانية، وكان لابناء الاسماعيلية الأقباط دور كبير فى تقديم الدعم اللوجيستى للفدائيين ورجال الشرطة، وأن الدم المصرى الذى سال على أرض الاسماعيلية لم يكن له دين أو لون سوى الانتماء لهذا الوطن.
أضافت الدكتورة سامية: تحوى سجلات الشرف العديد من الأقباط الذين استشهدوا فى معركة الاسماعيلية، من مجندى بلوكات النظام أمثال الشهيد المجند زكى عبدالمسيح والشهيد وديع سليمان وعطية زخارى وغطاس تكلا والشهيد مجند ثابت جرجس والشهيد مجند لوقا باسيلى ومن المصابين عازر مشرقى ومنصور قرياقص.









