يسكن التراث الثقافى غير المادى المكون من أهازيج وحِرف وعادات وتقاليد شفاهية فى «صدور الناس» لا على جدران المعابد.. هو ذلك الإرث «الحي» الذى لا نلمسه بالأيدي.. بل نشعر به ونستشرفه بالاحساس.. فى نبرة حكواتي.. فى براعة صانع.. فى طقوس قروية.. إنه «حمضنا النووى الثقافي» الذى يشمل العادات والمهارات الحرفية والتقاليد الشفهية التى تشكل هويتنا الحقيقية.
وبين أنامل حِرفى يغزل الخيوط فى ورشته العتيقة.. وبين خوارزميات الذكاء الاصطناعى التى تجوب الفضاء الرقمي.. تبرز فجوة عميقة يخشى الكثيرون أن تبتلع هذا التراث الذى يعتبر هوية الشعوب والذى أصبح اليوم أمام اختبار الوجود فى «الواقع الافتراضي».. فهل ستكون التكنولوجيا «طوق نجاة» يحفظ هذه الكنوز من النسيان.. أم «ممحاة» تطمس خصوصيتها الإنسانية فى عصر العولمة الرقمية؟.
ومع اجتياح التحولات التكنولوجية لكافة مفاصل الحياة.. يجد هذا التراث الحيوى نفسه فى مواجهة مصيرية مع عالم تحكمه الشاشات.. وترسم ملامحه «الرقمنة».. فهل تتحول هذه الممارسات الإنسانية إلى محتوى عابر يفقد روحه وبريقه أم أن التكنولوجيا ستتحول إلى «مخزن رقمي» يحمى ذاكرتنا الجمعية من شبح النسيان؟.
«الجمهورية» التقت عددا من المتخصصين والمهتمين بهذا الشأن من تخصصات مختلفة فى معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته الـ 57 وعلى هامش الندوات المخصصة لمناقشة قضايا التراث لنبحث معهم عن الخيط الرفيع الذى يربط بين أصالة «الماضى الشفهى» وتقنيات «المستقبل الرقمي
فى البداية التقينا الدكتور محمد شبانة أستاذ الموسيقى الشعبية بأكاديمية الفنون ليجيبنا عن إشكاليات عولمة التراث وكيفية الحفاظ على خصوصيتنا الثقافية فى العصر الحديث وهل «عولمة التراث» عبر الإنترنت ستؤدى بالضرورة إلى فقدان الخصوصية المحلية والميزات الثقافية الفريدة؟
قال شبانة: للعولمة معان كثيرة لكن أخطرها هو سيادة نمط ثقافى واحد وجوره على الثقافات الأخري. فالثقافات القوية عادة ما «تتثاقف» مع غيرها وتؤثر فيها.. أما الثقافات الضعيفة فقد تنمحى وتحل محلها أنماط غريبة.. ومع ذلك أنا أؤمن تماماً بأن الثقافة المصرية ثقافة قوية فنحن حين نقول إن مصر دولة عظمى ثقافيا.. لا نقول ذلك من باب التباهي.. بل انطلاقاً من واقع تاريخى وحضارى راسخ.
دور المؤسسات
تابع الدكتور محمد شبانة قائلا: وعن التساؤل المطروح الذى يقول: هل تشكل الوسائط التكنولوجية الحديثة خطرا على دقة وتوصيل هذا التراث؟ بالتأكيد، هناك أدوات وآليات وأساليب حياة عصرية قد تسيء إلى التراث.. أو تساهم فى تزييفه وتغييره.. مما يؤدى إلى وصول صورة مغلوطة تماما للأجيال الجديدة.. وهنا يأتى الدور المحورى لمؤسسات الدولة.. إذ يجب أن يلعب الإعلام والتعليم والأسرة دورا متكاملا فى توصيل الأفكار المنضبطة والأصيلة عن تراثنا.. الإعلام بكل وسائطه سواء المكتوبة أو المرئية أو المسموعة هو المسئول عن صياغة هذا الوعي.
وعن احتمالية الخطر على هويتنا فى ظل هذا الصراع التقنى قال الدكتور شبانة: لست قلقاً.. فالثقافة المصرية ليست فى مهب الريح لسبب واحد وبسيط هو أن لها حراسا.. هؤلاء الحراس لا يسكنون المكاتب فحسب.. بل هم موجودون فى الأقاليم والقرى والنجوع.. فى قلب الصعيد والوجه البحري.. هناك لا يزال الناس يتبنون التراث ليس بمعناه القديم الساكن.. بل بمعناه الحى الأصيل الذى يمارسونه فى حياتهم اليومية.
وعن كيفية مواجهة الجوانب السلبية لهذا التحول التكنولوجى أضاف د. شبانة قائلا: يجب أن نمتلك دائماً رؤية نقدية.. فى مواجهة أى جديد «متآمر» يستهدف طمس الهوية.. لكن فى الوقت نفسه لا ينبغى أن ننغلق على أنفسنا.. فإذا كان هذا الجديد التكنولوجى مفيداً وجيداً.. فعلينا استغلاله والاستفادة منه لخدمة قضيتنا الثقافية.
الأصالة والتطوير
كما التقينا الأستاذ الدكتور طارق صالح عميد كلية الفنون والتصميم بجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب.
قال إن تحقيق هذا التوازن يتطلب فى المقام الأول وجود فرق عمل تضم متخصصين من عدة مجالات.. حيث تتداخل الخبرات التاريخية والتراثية مع الرؤية الفنية.. ويكون الهدف تقديم محتوى صادق ومتطابق مع الأصل.. وفى نفس الوقت يتناسب مع العصر الرقمي.. لكن للأسف ما يعيقنا أحيانا فى مصر هو العمل الفردى وتجنب الاستعانة بالآخرين.. بينما الحل يكمن فى فريق العمل القادر على خلق نماذج تخدم الاقتصاد بحق وتساهم فى الناتج القومي.
وحول حقوق الملكية الفكرية فى ظل انتشار المحتوى على منصات مثل «يوتيوب» وهل يمثل ذلك خطراً حقيقياً على إنتاجنا الفكرى أضاف أنه يمثل خطراً كبيراً.. وهو ما جعلنى أرفع «راية تحذير» فى هذا الشأن.. نحن الآن نستخدم الإنترنت كوسيلة للتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي.. وهنا تكمن الخطورة.. فمن الضرورى أن نعى كيف نحافظ على معلوماتنا التراثية بما يتوافق مع حقوق الملكية الفكرية.
تابع د. صالح قائلا: مخاوفى تكمن فى أننا من حيث لا ندرى نتحول إلى «وسائط» لتغذية نماذج الذكاء الاصطناعى بمعلوماتنا الخاصة.. فبمجرد أن يتعلم الذكاء الاصطناعى من هذه البيانات أو يعلم بها سيصبح من الصعب جداً إثبات ملكيتنا الفكرية لها.. لذا نصيحتى الواضحة هي: أى مادة تراثية لم نقم بتسجيلها وحفظ حقوقها رسميا لا يجب أن نضعها فى متناول هذه التقنيات.
الحقيقة والخيال
ولأن الحديث فى هذه القضية لابد أن يتطرق لكيفية مساهمة الذكاء الاصطناعى فى دعم التراث والحفاظ عليه التقينا الدكتور حسن فيداوى الأستاذ بكلية الفنون الجميلة جامعة الإسكندرية وناقشناه حول هذه المساهمة بطريقة عمليةً فى ترميم المخطوطات واستعادة الأصوات المفقودة فى تراثنا فقال: التكنولوجيا اليوم تجاوزت مجرد الترميم السطحي.. ففى تجارب حديثة على الملفات الورقية القديمة تم استخدام تقنيات مثل الرنين المغناطيسى المتصل بالذكاء الاصطناعى للقيام بمسح ينفذ إلى أعماق النصوص التى يعود عمرها إلى آلاف السنين.. بمجرد إعطاء أمر «نفذ» يتواصل الذكاء الاصطناعى لحظياً مع مراكز الأبحاث وأجهزة الكمبيوتر حول العالم لجلب أحدث التقنيات.. نحن الآن أمام عصر «الحوسبة الكمومية» التى ستحول كل ما هو صعب إلى متاح وسهل جداً.
وحول إمكانية بيئات «الميتافيرس» أن تكون بديلاً لتعليم الحرف اليدوية التى تتطلب دقة ومهارة عالية أضاف د. فيداوى قائلا: طبعاً.. نحن نتحدث هنا عن «التعليم بالغمر».. من خلال الواقع المختلط.. يمكنك أن تشعر مثلا بـ «ثِقل الشاكوش» فى يدك وأنت داخل البيئة الافتراضية.. مما يجعلك فى حالة تقارب تام مع الحقيقة.. حاليا المسافة بين الحقيقة والخيال تتلاشي.. فالفكرة لم تعد مجرد رؤية.. بل هى تفاعل واستجابة فى الزمن الحقيقي.. نحن ندخل ما يسمى بمرحلة «التفرد».. حيث يحدث نوع من التوحد والتفاعل العميق بين الإنسان والآلة.
التحدى الأكبر
وعن المخاطر التقنية التى تهدد أرشيفات التراث خاصة فيما يتعلق بالقرصنة وضياع البيانات قال فيداوي: هذا هو التحدى الأكبر.. رغم الاستثمارات الضخمة فى أمن الإنترنت إلا أن «الحوسبة الكمومية» ستمثل خطراً حقيقياً.. لأنها تمتلك سرعات فائقة تمكنها من فك أعقد الشفرات فى وقت قياسي.. القراصنة سيكون لديهم أدوات
قوية جداً.. وهذا ما يفرض علينا تطوير أنظمة تأمين تتفوق على قدرات السرعة الهائلة لهذه الحواسب الجديدة.
تابع د. فيداوى قائلا: ولهذا يجب أن نبحث عن نقاط قوية لدينا.. وقوتنا ليست فى محاولة الجرى خلف التكنولوجيا التى سبقتنا بأميال.. بل فى تحقيق تراثنا والتمسك بأرضنا وديننا وقيمنا.. إذا فقدنا الأرض والسماء معاً سنضيع تماماً.. العلم بلا منظومة قيم قد يقود العالم إلى واقع مظلم.. نحن كبشر نمتلك تعقيداً فى قيمنا وأجسادنا لا يمكن للآلة محاكاته.. فالآلة فى النهاية تعمل وفق «نظام ثنائي» ونظرية احتمالات.. ومنذ الثورة الصناعية كان هناك توجه للصراع مع الطبيعة من أجل الثروة والسلطة.. لكن قيمنا الحقيقية وجذورنا الأصيلة تعيد صياغة علاقتنا مع الطبيعة على أساس الإيمان بالله والاتزان.. لذا فإن التمسك بالدين والقيم هو الأساس الذى سيحمينا فى عالم الشفرات والآلات الذكية.









