لم تكن المصافحة الحــارة، ولا الابتسـامة العريضة، ولا حتى الألفاظ المعبـــرة عن الصــداقة والاحترام المتبــادل بين السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى ونظيره الأمريكى دونالد ترامب، على هامش منتدى دافوس، هى الحدث الوحيد.. فالصورة، رغم دلالتها، كانت مجرد إطار لخطاب سياسى أكثر عمقاً ووضوحاً، خطاب يمكن اختصاره فى «كلمة اعتراف».. نعم، اعتراف من القيادة الأمريكية، وبأعلى مستوى، بالمكانة الإستراتيجية الفريدة التى تمثلها مصر، والدور المحورى الذى يلعبه قائدها فى هندسة مستقبل المنطقة والعالم.. عندما وصف الرئيس ترامب الرئيس السيسى بأنه «أحد ركائز ترسيخ السلام فى الشرق الأوسط» و«قائد عظيم»، فإنه لم يكن يلقى كلمات بروتوكولية عابرة.. بل كان يلخص رؤية إدارة واشنطن، وربما المجتمع الدولى الأوسع، لحقيقة مفادها: أن مصر هى حجر الزاوية فى أى معادلة للاستقرار.. هذا التوصيف لم يأت من فراغ.. إنه ثمرة سياسة مصرية واعية قادها الرئيس السيسى خلال السنوات الماضية تقوم على العقلانية والاتزان والواقعية السياسية.. مصر التى حاربت الإرهاب فى سيناء وواجهت التطرف بكل أشكاله، هى نفسها التى تبذل جهوداً مضنية لاحتواء الأزمات فى ليبيا وسوريا، وتسعى لإعادة الحياة لمسار السلام الفلسطينى الإسرائيلى على أساس حل الدولتين، وتعمل بلا كلل لحل الخلافات بين الأشقاء العرب.. مصر التى تحرس حدودها وأمنها القومى بيد من حديد، هى نفسها التى تضطلع بمسئولية تاريخية وأخلاقية فى تأمين الممرات المائية الدولية، وعلى رأسها قناة السويس الشريان الحيوى للتجارة العالمية.. ولذلك، حينما قال الرئيس ترامب إن العلاقات بين البلدين «رائعة وناجحة»، فإنه يشير إلى شراكة إستراتيجية متجددة ومتطورة.. إنها شراكة تتجاوز مرحلة المساعدات إلى مرحلة التنسيق والتعاون بين قوى فاعلة ومؤثرة.. واشنطن تدرك اليوم، أكثر من أى وقت مضى، أن القاهرة ليست مجرد متلق للسياسات، بل هى شريك فى صياغتها وتنفيذها عندما يتعلق الأمر بملفات الشرق الأوسط الشائكة.. اللقاء فى دافوس، بتصريحاته الواضحة، يرسل رسائل عديدة: للأصدقاء بأن مصر تقف شامخة فى محيطها الإقليمى والدولى بدعم واعتراف القوى العظمى.. وللأعداء والمتربصين بأن التحالف المصرى الأمريكى قوى ومتين.. وللشعب المصرى بأن سياسات بلده الخارجية تضع مكانته الحضارية والتاريخية فى الموضع الذى تستحقه.. وهو تأكيد أيضاً على أن الدبلوماسية المصرية النشطة، والقائمة على مبدأ المصالح المتبادلة واحترام السيادة، تجنى ثمارها فى تعزيز المكانة الدولية للبلاد.









