فى خطابه المطول الذى طال انتظاره فى المنتدى الاقتصادى العالمى فى دافوس بسويسرا، الأسبوع الماضى، جدد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب رغبته فى الاستيلاء على جزيرة جرينلاند التابعة للدانمارك، زاعما أنها كانت فى وقت سابق تحت السيطرة الأمريكية، وقال نصا: «بعد الحرب العالمية الثانية، التى انتصرنا فيها، لولا تدخلنا، لكنتم جميعا (قاصدا الأوربيين) تتحدثون الألمانية وقليلا من اليابانية، بعد الحرب أعدنا جرينلاند إلى الدانمارك، كم كنا أغبياء بفعل ذلك؟ كم هم ناكرون للجميل الآن؟».. «لنا حق فى الاستيلاء على الجزيرة، لذا نريد قطعة من الجليد لحماية العالم. وهم يرفضون منحنا إياها».
هكذا يصوغ الرئيس الأمريكى خططه وأهدافه وطموحاته، كل شيء عنده على المقاس الأمريكى فقط، ومـــا دون ذلك لا يعترف به، فالحقائق التاريخية لا تبدو حقائق فى نظر الرئيس ترامب لو تعارضت مع خطته، والقانون الدولى لا يساوى شيئا أمام القانون الأمريكى، والمجتمع الدولى برمته لا يساوى شيئا أمام الأمة الأمريكية، الكثير من منظمات المجتمع الدولى واتفاقياته ومعاهداته لا فائدة منها، فى رأى ترامب؛ فسارع إلى الانسحاب منها لأسباب سياسية وإستراتيجية واقتصادية، وبرر ذلك بالاعتراض على سياسات معينة، أوعلى أيديولوجيات وأجندات يعتبرها ضارة بالسيادة الأمريكية، أولما يراه ضعفا فى كفاءة بعض هذه المنظمات فى معالجة القضايا الأساسية، أو بسبب تكلفتها المالية الكبيرة التى تثقل كاهل الاقتصاد، وأدى انسحاب الولايات المتحدة من عدد من المنظمات والاتفاقيات الدولية إلى تأثيرات مالية وسياسية مباشرة على هذه المؤسسات، إذ واجهت بعض الهيئات عجزا فى تنفيذ برامجها الحيوية خاصة فى الدول النامية، ففى 7 يناير الجارى وقّع الرئيس ترامب أمرا تنفيذيا يقضى بانسحاب الولايات المتحدة من 31 كيانا تابعا للأمم المتحدة و35 منظمة غير تابعة لها، مؤكدا أن هذه المؤسسات تعمل بما يتعارض مع المصالح الوطنية الأمريكية، لو تأملنا أبرز هذه الاتفاقيات والمؤسسات الدولية التى انسحب منها ترامب سواء فى فترته الأولى أو الثانية سنجد منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (يونسكو) ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والاتفاقية الإطار للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ واتفاقية باريس للمناخ وخطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووى الإيراني) والمنتدى العالمى للهجرة والتنمية وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ومع مطلع عام 2026 أعلن ترامب الانسحاب من 66 منظمة واتفاقية دولية، وشمل القرار وقف دعم واشنطن الكامل لصندوق الأمم المتحدة للسكان، مبررا ذلك بأن بعض سياسات وبرامج الصندوق تتعارض مع المصالح الوطنية الأمريكية وأجندتها الداخلية.
عودة إلى موضوع جرينلاند لنعرف كيف يفكر الرئيس الأمريكى، سنجده صاغ هدفه فى خطابه الأخير بمنتدى دافوس بالحديث عن أن الجزيرة كانت تابعة فى الأساس للولايات المتحدة الأمريكية وبعد الحرب واشنطن أعادتها للدنمارك وبالبحث فى مدى دقة هذا الكلام تاريخيا سنجد أن جرينلاند لم تكن تابعة للولايات المتحدة وماحدث هو أنه فى العام 1941 أى خلال الحرب العالمية الثانية، وقّعت الولايات المتحدة والدانمارك اتفاقية تمنح الولايات المتحدة الحق فى إنشاء قواعد عسكرية على الجزيرة للدفاع عنها فى وجه ألمانيا النازية، مع الاعتراف بسيادة الدانمارك على الإقليم، وهذا بالطبع ليس معناه أن جرينلاند كانت مملوكة للولايات المتحدة، لكن الحقيقة أن الرئيس ترامب، كل ما يهمه هو أن يحصل على الجزيرة «بقوة الولايات المتحدة»، فالجزيرة فى موقع فريد يربط بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وتتحكم فعليا بممرات جوية وبحرية حيوية فى أقصى شمال الأطلسى، مما يجعلها نقطة ارتكاز لأى قوة تسعى للهيمنة على القطب الشمالى، مع تحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة بفعل التغير المناخى وذوبان الجليد.
السيطرة على جرينلاند تعنى بالنسبة لترامب التحكم ببوابة جيوسياسية تمكنه من مراقبة التحركات العسكرية والاقتصادية بين القارات الثلاث، وهذا يتفق مع مبدأ «أمريكا أولا» واهتمامه بجرينلاند لا يمكن فصله عن تصاعد نفوذ كل من الصين، وروسيا فى المنطقة القطبية، لذلك يرى أن ترك جرينلاند خارج دائرة نفوذه المباشر قد يحولها مستقبلا إلى نقطة اختراق إستراتيجى من قبل خصومه.









