لقاء السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى – على هامش مشاركته بمنتدى دافوس – بالرئيس الأمريكى دونالد ترامب الأربعاء الماضى يمكن قراءته بأنه تأكيد على أن مصر فاعل استراتيجى يمتلك رؤية كاملة ، ويطرح حلولا قابلة للتطبيق ، ويطالب بشراكة دولية مسئولة. كما يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن القاهرة تظل ركيزة استقرار لا غنى عنها، سواء فى الملف الفلسطينى، أو فى أمن الممرات المائية، أو فى قضايا شرق أفريقيا ، كما يؤكد أن الاستقرار الإقليمى لا يتحقق إلا عبر معالجة جذرية للأزمات، تقوم على الإرادة السياسية، والالتزام الدولى، والدور المحورى لمصر.
تمثل العلاقات المصرية – الأمريكية، التى تأسست عام 1922، نموذجاً لشراكة استراتيجية ممتدة، ازدادت رسوخاً وعمقاً عبر العقود، وهى تلبى حاجات سياسية واستراتيجية أساسية للطرفين.. فالولايات المتحدة دورها القيادى فى جميع القضايا العالمية والإقليمية بحكم وضعيتها الدولية كقوة عظمى، ولمصر دورها المحورى فى الشرق الأوسط وأفريقيا والعالم الإسلامى وبين دول الجنوب العالمى. كما أن مصر تأتى على رأس حلفاء الولايات المتحدة من خارج حلف الناتو منذ عام 1978، وهى القوة الإقليمية التى برهنت عدة مرات على قدرتها على ضبط التفاعلات السياسية والأمنية فى المنطقة، خاصة فى ظل أوضاع دولية تتسم بالاضطراب والتنافس الحاد بين القوى الكبرى، وأوضاع إقليمية غير مستقرة فى ظل تحولات جذرية تشهدها المنطقة، خاصة على مدار السنوات الأخيرة.
وتأسست الشراكة الاستراتيجية بين البلدين على أساس مبدأ دعم المصالح المشتركة وتقاسم الأعباء بين الشريكين، وهى شراكة تتميز بطابعها المؤسسى المستمر، وتقوم على ضلعين أساسيين هما تعميق التعاون الثنائى، والعمل المشترك فى القضايا الإقليمية محل اهتمام البلدين.
وقد مرت هذه العلاقات بالعديد من المراحل والمحطات البارزة، لعل أهمها فى عام 1978 مع إبرام اتفاقية كامب ديفيد، والتنسيق بين البلدين لإنجاح مؤتمر السلام فى مدريد عام 1991، ثم اتفاق أوسلو عام 1993 ودفع مفاوضات السلام الفلسطينية – الإسرائيلية لإحلال السلام فى منطقة الشرق الأوسط، والتعاون والتنسيق فى السنوات الأخيرة لتحقيق الاستقرار وتعزيز الأمن الإقليمى وتسوية الأزمات فى مختلف أنحاء المنطقة من سوريا ودول المشرق العربى إلى ليبيا والسودان واليمن والبحر الأحمر وشرق المتوسط، ومنطقة القرن الأفريقى، بالإضافة إلى تطوير مختلف جوانب الشراكة الثنائية بين البلدين.
وعلى الصعيد الإقليمى، وفى إطار تكريس مسار السلام فى الشرق الأوسط من خلال إنهاء الحرب فى غزة والتوصل لتسوية سياسية للقضية الفلسطينية، وبناء على مبادرة مصرية – أمريكية، استضافت مصر 13 أكتوبر 2025 «قمة شرم الشيخ للسلام»، والتى رأسها كل من الرئيس عبدالفتاح السيسى، والرئيس دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تركزت أعمال القمة على التأييد والدعم المطلق لاتفاق شرم الشيخ لإنهاء الحرب فى غزة، والذى تم إبرامه يوم 9 أكتوبر 2025، وبوساطة كل من مصر والولايات المتحدة وقطر وتركيا.
وثمن القادة المشاركون دور مصر، تحت رعاية السيد الرئيس، فى قيادة وتنسيق جهود العمل الإنسانى منذ بداية الأزمة، وفى الوساطة إلى أن تم التوصل لاتفاق شرم الشيخ، وأشادوا بالجهود المصرية لعقد القمة، كما أن التنسيق جار بين مصر والولايات المتحدة على مختلف القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.
السنوات العشر الماضية، أظهرت عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وقدرتها ليس فقط على الصمود لاختبار صعب مثلته الفترة التى تلت ثورة 30 يونيو مباشرة، وإنما على اكتساب زخم جديد على مدار السنوات الماضية وبصرف النظر عن تغير الإدارات الأمريكية، بدءًا من التواصل المكثف على مستوى دبلوماسية القمة، ووصولاً الى انتظام آلية الحوار الاستراتيجى. فالبلدان حريصان على استمرار العلاقات الاستراتيجية بينهما، تعزيزا للتعاون والشراكة فيما يتعلق بالعلاقات الثنائية، والبناء على التجربة الناجحة للتعاون بين البلدين، والذى مثل على مدار العقود الأربعة الماضية، الركيزة الأساسية لأى جهد جدى لبناء السلام والاستقرار فى منطقة الشرق الأوسط.









