لسنا فى لحظة تاريخية تسمح بالبكاء على اللبن المسكوب، ولا نملك ترف الانتظار أو تعليق الآمال على الزمن. ما نعيشه اليوم ليس أزمة طارئة يمكن احتواؤها بإجراءات استثنائية، ولا عثرة عابرة فى مسار طبيعي، بل هو وضع مأزوم ممتد، تتوالد حلقاته من بعضها البعض، دون أن تلوح فى الأفق محطة نهائية واضحة نغادر عندها طريق الأزمات إلى طريق الرفاهة والاستقرار.
>>>
الحديث عن الإصلاح فى مصر امتلأ عبر السنوات بالنظريات، والبرامج.. و«الينبغيات»، لكن خانة الفعل الحقيقى ظلّت هى الأفقر دائمًا. نناقش، نحلل، نضع استراتيجيات، ثم نصطدم بواقع صلب لا يتغير بالوتيرة المطلوبة، لأن المشكلة فى جوهرها أعمق من حكومة أو نظام حكم أو سياسات عامة. القصة فى مبتدئها وخبرها مرتبطة بالمجتمع ذاته، بثقافاته الراسخة، وبمنظومة قيم ربما لم تعد صالحة لعصر شديد القسوة والتنافسية.
>>>
نحن نعيش مرحلة يمكن وصفها بوضوح بأنها «ما بعد الواقعية»، حيث لم تعد الشعارات الكبرى ولا الخطابات الأخلاقية كافية لتفسير العالم أو إدارته. القوة، والقدرة، والكفاءة، والانضباط، هى مفردات المرحلة.. الدول التى لم تعِ ذلك مبكرًا تدفع الثمن من استقرارها وأمنها ورفاهة شعوبها، ومصر رغم ما تبذله الدولة من جهد على مستوى البنية التحتية والسياسات الكبري، تصطدم بحائط اجتماعى وثقافى يحتاج إلى مراجعة جذرية.
>>>
أحد أخطر مظاهر الأزمة هو تآكل منظومة القيم. اختفاء القيم الأسرية، وتراجع دور الأسرة فى التنشئة، واستباحة الغش فى الامتحانات باعتباره «شطارة»، لا جريمة أخلاقية، ضرب فكرة الإنجاز من جذورها. كيف يمكن الحديث عن إنتاجية، أو تنافسية، أو نهضة تعليمية، فى مجتمع يستسهل الالتفاف على القواعد منذ الطفولة؟ الغش ليس مجرد سلوك فردي، بل هو تدريب مبكر على قبول الفشل الأخلاقى كوسيلة للنجاح.
>>>
إلى جانب ذلك، ترسّخت قيم الواسطة والمحسوبية والرشوة، ليس فقط كممارسات هامشية، بل كآليات طبيعية لتسيير الأمور. حين تصبح العلاقات بديلاً عن
الكفاءة، والقرابة بديلاً عن الجدارة، يتحول المجتمع إلى كيان عاجز عن إنتاج نخب حقيقية، أو بناء مؤسسات فعّالة.. الدولة قد تضع قوانين، وقد تشدد الرقابة، لكن إن لم يكن المجتمع نفسه رافضًا لهذه القيم، فإن أى إصلاح سيظل شكليًا ومؤقتًا.
>>>
الخطير فى الأمر أن هذه القيم السلبية لم تعد محل استنكار عام، بل جرى «تطبيعها» اجتماعيًا وأصبح الفاسد ذكيًا، والمتحايل شاطرًا، وصاحب الضمير «ساذجًا». هنا لا تكمن الأزمة فى ضعف الموارد أو شح الإمكانيات فقط، بل فى خلل عميق فى البوصلة الأخلاقية. ولا يمكن لأى دولة، مهما بلغت قوتها، أن تبنى مستقبلًا مستدامًا فوق أرضية أخلاقية هشة.
>>>
ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الخطط على الورق، بل حركة مجتمعية واعية، تبدأ من التعليم، والإعلام، والمؤسسات الدينية، والثقافية، وتعيد الاعتبار لقيم العمل، والانضباط، والاستحقاق، والعدل.. نحتاج إلى خطاب صريح مع المجتمع، بلا مجاملة ولا تزييف، يعترف بالمشكلة كما هي، لا كما نحب أن نراها.
>>>
الانتقال من طريق الأزمات إلى طريق الرفاهة لا يتم بقرار إداري، ولا بمشروع قومى واحد، مهما كان ضخمًا، بل يتم حين يتغير وعى المجتمع بنفسه وبالعالم من حوله. نحن فى سباق عالمى لا ينتظر المترددين، ولا يرحم من يصرّ على العيش خارج منطق العصر.
>>>
فى زمن «ما بعد الواقعية»، لم يعد السؤال: ماذا ينبغى أن نفعل؟ بل: هل نحن مستعدون فعلًا أن نغيّر أنفسنا قبل أن نطلب من الدولة أن تغيّر واقعنا.









