أثار قرار بدء الدراسة في أولى الجامعات المتخصصة بقطاعي النقل والغذاء اعتبارًا من العام الدراسي المقبل ردود فعل إيجابية واسعة بين رؤساء الجامعات وخبراء التعليم، مؤكدين أن هذه الخطوة تمثل نقلة نوعية في منظومة التعليم العالي، وتهدف إلى إعداد كوادر مؤهلة وفق احتياجات سوق العمل المحلي والدولي، في إطار استراتيجية الدولة لتطوير التعليم العالي وإطلاق جيل جديد من الجامعات يعتمد على التعلم القائم على المشروعات، والتكامل مع الوزارات المعنية، بما يسهم في رفع جودة المخرجات التعليمية وتعزيز تنافسية الخريجين، وضمان توافقهم مع معايير التوظيف الدولية وجذب الاستثمارات الأجنبية للقطاع التعليمي.

شراكة مع جامعتي «دريسدن» الألمانية و«هيروشيما» اليابانية
وكشف الدكتور أيمن عاشور، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، عن بدء الدراسة في أولى الجامعات المتخصصة بالشراكة مع جامعتي «دريسدن» الألمانية و«هيروشيما» اليابانية، مؤكدًا أن هذه الخطوة تدشن مرحلة «الجيل الخامس» من الجامعات المصرية، التي ترتكز على التعلم القائم على المشروعات والشراكة المباشرة مع الوزارات والقطاعات الإنتاجية.
وأوضح الوزير أن الخطة الاستراتيجية للوزارة تقوم على بناء شراكات عابرة للحدود، مشيرًا إلى أن الخطة المعتمدة من مجلس الوزراء تتوسع لتشمل إنشاء جامعات متخصصة في قطاعات الطاقة، والسياحة والضيافة، وعلوم الرياضة، بالتعاون مع الوزارات المعنية، بهدف إعداد جيل مؤهل بمهارات «الثورة الصناعية الخامسة»، مع التركيز على تخصصات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتفكير الإبداعي، تماشيًا مع تقارير منتدى الاقتصاد العالمي حول مستقبل الوظائف.

التعليم الجيد هو الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية الشاملة
قال الدكتور حسان النعماني، رئيس جامعة سوهاج، إن إنشاء الجامعات المتخصصة يأتي في إطار رؤية القيادة السياسية التي تضع بناء الإنسان المصري على رأس أولوياتها، وتؤكد أن التعليم الجيد هو الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، مشيرًا إلى أن هذه الجامعات تمثل استثمارًا حقيقيًا في مستقبل الوطن، وتسهم في سد الفجوة بين التعليم واحتياجات التنمية، خاصة في مجالات النقل والغذاء والطاقة والسياحة وعلوم الرياضة، بما يتماشى مع رؤية مصر 2030 ومتطلبات الثورة الصناعية الخامسة.
وأوضح النعماني أن الجامعات المتخصصة تهيئ فرصًا وظيفية أفضل وأكثر تنوعًا للطلاب، من خلال برامج قائمة على التخصصات الدقيقة، ومناهج مرنة تستجيب لمتغيرات سوق العمل، وتعزز الشراكات مع الصناعة، وترفع كفاءة البحث العلمي التطبيقي والابتكار، مؤكدًا أن الجامعة لم تعد مجرد مؤسسة تعليمية، بل شريكًا أساسيًا في التنمية المستدامة وبناء الإنسان.

أكد الدكتور معوض محمد الخولي، رئيس جامعة المنصورة الجديدة، أن العالم يشهد تحولات كبرى في منظومة التعليم العالي، حيث لم تعد الجامعة مجرد مؤسسة تمنح شهادة أكاديمية، بل أصبحت ركيزة أساسية في بناء الاقتصاد الحديث، وداعمًا مباشرًا للتنمية المستدامة، ومصدرًا رئيسيًا لإنتاج الكفاءات القادرة على المنافسة في الأسواق الدولية.
جامعات متخصصة في الغذاء والنقل واللوجستيات خطوة استراتيجية
وأوضح أن إنشاء جامعات متخصصة في مجالات حيوية مثل الغذاء والنقل واللوجستيات يمثل خطوة استراتيجية واعية تستجيب لمتطلبات المرحلة الراهنة، وتواكب التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها الدولة المصرية، مؤكدًا أن هذه الجامعات لا تأتي في تعارض مع كليات الزراعة أو الهندسة، وإنما تقدم نموذجًا جديدًا للتعليم الاحترافي المتقدم، يقوم على التركيز العميق في قطاع اقتصادي محدد وبناء منظومة تعليمية وبحثية متكاملة تخدم هذا القطاع بصورة مباشرة.
وأشار الخولي إلى أن جامعة علوم الغذاء لا تحل محل كلية الزراعة، بل تتجاوز الإطار الأكاديمي التقليدي إلى مجالات حديثة تشمل تكنولوجيا التصنيع الغذائي، وسلاسل الإمداد، وسلامة الغذاء، والأمن الغذائي، والابتكار الغذائي، واقتصاديات الغذاء، بينما تعمل جامعة النقل واللوجستيات في فضاء تطبيقي أوسع يشمل النقل الذكي، وإدارة الموانئ والمطارات، والنقل البحري والجوي والسككي، وسلاسل الإمداد العالمية، والنقل الأخضر المستدام.
وأكد أن هذا التوجه يعكس تحولًا جوهريًا في فلسفة التعليم، من التعليم العام إلى التعليم الاحترافي، حيث تُعد هذه الجامعات الطالب لمسار مهني واضح منذ اليوم الأول للدراسة، من خلال تصميم البرامج بالتعاون مع قطاعات الإنتاج والخدمات، ودمج التدريب العملي الإلزامي داخل المؤسسات، وربط مشروعات التخرج بتحديات صناعية حقيقية، ليصبح الخريج محترفًا جاهزًا لسوق العمل المحلي والإقليمي والدولي.

انتقال من التوسع الكمي إلى التخصص الدقيق والجودة النوعية
واوضح الدكتور عبد الباسط صديق، الأستاذ المتفرغ بجامعة الإسكندرية، أن إنشاء الجامعات المتخصصة يعكس تحولًا استراتيجيًا عميقًا في فلسفة التعليم العالي، يقوم على الانتقال من التوسع الكمي إلى التخصص الدقيق والجودة النوعية، بما يواكب التطورات العلمية والتكنولوجية الحديثة، ويسهم في خلق بيئة معرفية متكاملة تدعم الابتكار والبحث العلمي التطبيقي.

وأشار الدكتور محمد كمال، عضو هيئة التدريس بجامعة القاهرة، إلى أن توجه الدولة لإنشاء جامعات متخصصة في الغذاء والنقل يمثل إعادة هيكلة شاملة لمنظومة التعليم العالي، موضحًا أن هذه الجامعات تيسر دراسة «العلوم البينية» التي تجمع بين أكثر من تخصص، وهي الأكثر طلبًا في سوق العمل المحلي والدولي، كما تمثل عامل جذب قويًا للطلاب الوافدين وزيادة موارد الدولة من العملة الأجنبية.

ربط التخصص باحتياجات السوق
وأكد الدكتور عاصم حجازي، الأستاذ بكلية الدراسات التربوية العليا بجامعة القاهرة، أن الجامعات المتخصصة ليست «بدعة»، بل نموذج عالمي مطبق في الدول المتقدمة، ويضمن ربط التخصص باحتياجات السوق، ويفتح الباب أمام مصر لتحسين تصنيفها الدولي، ومنح خريجيها سمعة أكاديمية متميزة على المستوى العالمي.









