ذكر مرة أحد الأصحاب مثل ياباني يقول: من يقر بجهله يظهره مرة واحدة، ومن يحاول إخفاءه يظهره عدة مرات. وجاء ذكر المثل عند حديثنا عن غرابة ما يحدث الآن، ونحن في القرن الواحد والعشرين، حيث يتقدم العلم والتكنولوجيا في قفزات مذهلة وبسرعة فائقة في كل أنحاء العالم، ومع ذلك تتسع دائرة الجهل المعرفي في مجتمعنا، فما الذي يحدث؟
يبدأ شيخ الفلاسفة “سقراط” في محاوراته مع العامة في أنحاء أثينا القديمة بإظهار جهله بمقولة “لا أعرف شيئا” ليصل في النهاية مع محاوره للمعرفة، بينما يقول “أبو العريف” عندنا: لا أحد يعرف مثل معرفتي! لماذا يحافظ كثيرون علي ما يسمونه علم ، لكن علم منزوع المعرفة ، فيصبح علم الجهل ، ولكن كيف يستمرون في إنتاجه ، والحفاظ عليه فيكون أخطر ما نعانيه في مجتمعنا هو الجهل بالجهل.
في مساء 14 أكتوبر 1994 شاب جاهل معرفيا ودينيا سلم نفسه كخنجر في يد جاهل يتولي إدارة جهله لينغرس هذا الخنجر في عنق رمز مصري عالمي رفيع (نجيب محفوظ).
ومنذ أيام قليلة استأجر –ماديا أو معنويا- جاهل أو مجموعة أو تنظيم من الجهلاء من هم أجهل منهم ليستقبلوا رمز مصري وعالمي نفتخر به (محمد صلاح) عند خروجه من المطار ليمطروه بوابل من الاستهزاء البغيض لغرض مجهول في عقول جهلاء، ويكون السؤال: من ينتج هذا النوع من الجهل بأدواته من أخبار وشائعات زائفة او التشكيك في وقائع أو حقائق لتغييب الوعي، وإبقاء المجتمع في حالة سبات يتوهمه الجاهل يقظة، فهل أخذنا الجهل بديلا عن المعرفة؟ قد يختار الأفراد الجهل ليناسب أيديولوجية العماء والراحة، وهي أيديولوجية نفسية تلائم النفوس المريضة أو المغرضة أو غير القادرة علي حياة الوعي، لكن لا أحد يفكر في الثمن الباهظ الذي يتكلفه هذا الاختيار (الجهل) حيث تكون عواقبه فادحة ، لأن الجهل يولد الخوف ، والخوف يدفع إلي الكراهية ، والكراهية تفضي إلي العنف.
أخيرًا تأتي المرحلة الأعلى في طموح الجهل ، وهي الجهل بالجهل، حيث يجهل الجاهل أنه جاهل مما لا يجعله يقدم علي طلب المعرفة، والحالة الوحيدة فلسفيا لفرضية الجهل المعرفي هي ما يذكرها الفيلسوف الأمريكي الأشهر (جون رولز) وهي “حجاب الجهل” وهي فرضية أو مفهوم فلسفي أخلاقي يتم استعماله لتأسيس مجتمع عادل، حيث يتصرف الناس وكأنهم عند اجتماعهم في لقاء مفترض أو متخيل لا يعرفون مكانتهم الاجتماعية أو ثروتهم أو عرقهم لضمان الحيادية أو الشفافية لتتحقق المساواة بينهم، عندما يختارون مبادئ للعدالة يتم تطبيقها في المجتمع، وكم نحن بحاجة إلي أكثر من (سقراط) للوعي بجهلنا، والانطلاق الي معرفة حدود معرفتنا كسبيل إلي التعلم والتقدم، وأن يكون السؤال أداتنا المعرفية الأولي لكسر حصار التعصب وتفكيك المتعارف عليه كذبًا وزيفًا.









