بمناسبة احتفال مصر بعيد الشرطة الـ74، وتقديرًا لتضحيات رجالها الأوفياء، كشف الدكتور علي أبو دشيش، الخبير الأثري ومدير مركز زاهي حواس للآثار والتراث، أن نظام حفظ الأمن ليس طارئاً على الدولة المصرية، بل هو امتداد حضاري يعود إلى مصر القديمة التي عرفت أول نظام شرطي وعدلي منظم في التاريخ.
عقيدة «ماعت».. الأمن كواجب مقدس
أكد أبو دشيش أن المصري القديم أدرك منذ فجر التاريخ أن الأمن هو العمود الفقري لبقاء الدولة، وأن العدالة عقيدة مقدسة ترتبط باستقرار الكون، وهو ما تجسد في مفهوم «ماعت» (الحق والعدل والنظام)، الذي جعل من حماية المجتمع واجباً وطنياً ودينياً.
من «المدجاي» إلى القوة النظامية
أوضح الباحث أن جهاز الشرطة لم يكن في بداياته منفصلاً عن الجيش، إلا أن اتساع الدولة في عصرَي الدولة الوسطى والحديثة فرض الحاجة لجهاز متخصص. ومن هنا ظهرت قوات «المدجاي»، التي بدأت كقبائل برعت في التتبع، ثم تحولت إلى قوة نظامية تتولى حماية المدن وتأمين المنشآت الحيوية، تحت تنظيم إداري دقيق يخضع فيه حكام المدن للمساءلة أمام السلطة المركزية.
التخصص الوظيفي والرقابة
أشار أبو دشيش إلى تنوع المهام الشرطية قديماً؛ فشملت حماية المعابد، تأمين الملاحة في النيل، مراقبة الأسواق لمنع الغش، وحماية بعثات التعدين والمقابر الملكية. وأضاف أن سرقة المقابر لم تكن مجرد جريمة مادية، بل اعتداءً على النظام الكوني، مما استوجب صرامة مفرطة في التعامل معها.
التوثيق القضائي والعدالة فوق الجميع
استشهد مدير مركز زاهي حواس ببردية “سرقات المقابر” في عهد رمسيس التاسع، و”بردية تورين القضائية” التي وثقت مؤامرة اغتيال رمسيس الثالث، كدليل على رقي العمل الشرطي والقضائي. فقد شملت التحقيقات معاينة المواقع واستجواب المتهمين، بل ومعاقبة القضاة المقصرين، مما يؤكد أن العدالة كانت فوق الجميع.
رسالة الحاضر بجذور الماضي
واختتم الدكتور علي أبو دشيش تصريحه بالتأكيد على أن شرطي اليوم يكمل رسالة بدأها أجداده منذ آلاف السنين. وشدد على أن استدعاء هذا التاريخ في عيد الشرطة هو رسالة تقدير لتضحيات الحاضر، وتأكيد على أن الأمن في مصر قيمة حضارية أصيلة وجزء لا يتجزأ من هويتها الوطنية.









