مشروعي الأدبي عن أفريقيا إشارة لجزء مهم من تاريخنا يستحق النظر
حوار- نهى محمود
ينشغل الكاتب اللبناني محمد طرزي بالتاريخ والتراث ويرى أننا يمكننا أن نقرأ الحاضر في مرآة الماضي ، واحد من الأصوات المميزة التي حققت انتشارا عربيا في السنوات الأخيرة ، له العديد من الأعمال الروائية مثل ” ميكروفون كاتم للصوت ” و” جزر القرنفل ” التي حصدت جوائز عربية مرموقة مثل جائزة “كتارا ” وجائزة نجيب محفوظ ، وغسان كنفاني.. الجمهورية تحاوره على هامش مشاركته في معرض القاهرة للكتاب في دورته الـ 57
*مشروعك الروائي يرتكز كثيرا على التاريخ والتراث ، ما الذي يمكن للتاريخ أن يقدم للكاتب المشغول بتقديم عالمه وتساؤلاته وواقعه المعاصر ؟
-مشروعي الأدبي متنوّع بين الرواية التاريخية، والنصوص القائمة على التراث، والرواية الاجتماعية، وحتى أدب الفتيان. كانت الرواية التاريخية إحدى اهتماماتي في البدايات، بسبب انتشارها آنذاك.

لطالما قدّمتُ جوابًا كلاسيكيًا مفاده أن التاريخ مرآة للحاضر، وأننا نعيد قراءة الماضي بغية فهم واقعنا الراهن، غير أنني أعتقد اليوم أن مثل هذه المقولة لم تعد صالحة، في ظلّ التحوّلات الكبرى والمتسارعة التي تطرأ على الإنسان في عصرنا.
إن هذه التحوّلات، من حيث كثافتها وحدّتها، لم تكن حاضرة في الماضي على هذا النحو، ولذلك لم تعد رواية التخيل التاريخي، بصيغتها التقليدية، قادرة وحدها على الإجابة عن تساؤلات الواقع المعاصر.
“لبنان” بلد ملهمة كثيرا للكتابة، لكنك اخترت ان تبدأ من افريقيا ، ثم بعد عدد كبير من الكتب جاءت روايتك الأخيرة “ميكروفون كاتم للصوت عنها” في رأيك لم حدث ذلك؟
لأن إفريقيا، ولا سيما إفريقيا السوداء، هي وطني أيضًا. فأنا أعيش في شرقها منذ نحو عشرين عامًا، وفيها تفتّح وعيي الأدبي وتكوّنت ثقافتي، فكان طبيعيًا أن أكتب عنها .
مع تصدّر لبنان المشهد، وتحوله من “جنة الشرق” إلى بلد مثقل بالأزمات، تغيّرت الأمور والأزمات ، أخرجتها من حدود المكان، محوّلة إيّاها إلى واقع يتقاطع معه الجميع، داخل لبنان وخارجه. من هنا خرجت رواية “ميكروفون كاتم للصوت” من دون تخطيط مسبق، بوصفها استجابة داخلية ملحّة، لا مشروعًا مُعدًّا سلفًا.
لماذا وقع اختيارك على إفريقيا لتنجز عنها ثلاثيتك؟
عن إفريقيا، نشرتُ حتى الآن أربع روايات، من بينها ثلاثية تتناول تاريخ العرب في شرق إفريقيا، هي المنطقة التي عشتُ فيها طويلًا، وتعرّفتُ عن قرب إلى إرثها الثقافي وتاريخها المركّب. بدأ اهتمامي بهذا التاريخ بدافع شخصي، ثم تحوّل لاحقًا إلى مشروع روائي، حاولتُ من خلاله نقل هذا الاهتمام إلى القارئ، وفتح نافذة سردية على تاريخ جزء من العالم لا يزال، إلى حدّ كبير، خارج متن الأدب العربي.
عندما حدثت ثورات الربيع ذهبت أنت لتكتب عن عبد الحميد الكاتب وابن المقفع فهل كانت تلك طريقته في الإشارة للواقع ورصد تغيراته ؟
بكل تأكيد، وهذا يعيدنا إلى سؤالك الأوّل؛ فقد كنتُ أعتقد آنذاك بإمكان قراءة الحاضر في مرآة الماضي. وعندما وجدتُ نفسي عاجزًا عن الإحاطة بالمشهد الراهن، اتجهتُ إلى قراءة الثورة العبّاسية وما رافقها من تحوّلات، من خلال شخصيتين بارزتين: ابن المقفّع وعبد الحميد الكاتب.
ساعدني في ذلك أن لكلّ منهما مقاربة مغايرة للأحداث، بل متعارضة أحيانًا، إلى حدّ أن القارئ يجد نفسه أمام تكافؤ في الحجج، بين من يرى في الثورة أفقًا للتغيير، ومن يفضّل النأي بنفسه عنها والتعامل معها بحذر.
في رأيك لماذا ازدهرت كتابة الرواية التاريخية في العالم العربي في السنوات الأخيرة ، ورغم كبر حجمها إلا أن القارئ العربي يقبل عليها بشدة ؟
ازدهرت الرواية التاريخية في العالم العربي خلال فترة معيّنة، لكنها تشهد اليوم تراجعًا ملحوظًا، على الرغم من بروز بعض الأعمال التاريخية المهمّة في السنوات الأخيرة. يتراءى لي أن ذائقة القارئ العربي باتت تميل أكثر إلى الرواية الواقعية والمعاصرة. إلى جانب ذلك، يبرز اليوم اتجاه آخذ في التنامي، هو الأدب غير المتخيَّل، الذي يتّسع حضوره تدريجيًا. أظنّ أن هذا النمط السردي مرشّح لأن يصبح الشكل الأكثر حضورًا في السنوات المقبلة، مع تغيّر علاقة القارئ بالواقع، ورغبته في مقاربة مباشرة للأسئلة الراهنة.
حصدت العديد من الجوائز منها ” كتارا ” وجائزة ” نجيب محفوظ ” ما الذ يعنيه لك نجيب محفوظ كأديب ؟ وماذا تعني لك الجوائز ؟
أحبّ الجوائز، وأسعد بالفوز بها. أعتقد أن فوز رواية “ميكروفون كاتم صوت”
بجائزتَي كتارا ونجيب محفوظ أسهم في انتشارها، وهو ما ينشده الكاتب في نهاية المطاف.
الجائزة شكل من أشكال التقدير، قائم على تقييم أهل الخبرة. نحن بحاجة إلى هذا النوع من التقدير، لا سيما لمساعدة القارئ غير المتمرّس على اختيار ما يقرأ، من دون إضاعة الكثير من الوقت. أمّا القارئ المتمرّس، فلا يحتاج إلى الجوائز ليعرف طريقه.
أمّا نجيب محفوظ، فأحبّه، لأنه أديب عميق، يشبه مصر وحاراتها، ساخر ودمث كشعبها. بلغ قمّة المجد الأدبي، غير أنه ظلّ واحدًا منّا، يشبهنا ونشبهه.

‘طرزي: مشاركتي بالمعرض “تكريم وشرف” ورحلتي لـ ” القاهرة” لقاء حبيبة”
زياراتك للقاهرة ومشاركتك في معرض القاهرة الدولي 2026 ما الذي تعنيه لك هذه الدعوة ؟ وكيف تستعد لها ؟
دعوة رائعة. فأنا من عشاق مصر، لديّ أصدقاء مصريون أكثر مما لديّ في أي دولة أخرى. سعدتُ بهذه الدعوة، أعدّها تكريمًا لي، لا سيما في هذا العام، إذ دُعي كتّاب كبار، هم بمثابة أساتذتي.
كل رحلة إلى القاهرة أشبه برحلة للقاء الحبيبة؛ أستعدّ لها بكل حواسي، عاجزًا عن التحكّم بسرعة خفقان القلب، تلهّفًا واشتياقًا.









