في إطار دورها التنويري المتواصل، نظَّم جناح دار الإفتاء المصرية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب ندوة فكرية بعنوان «صيانة الوعي بين الثقافة والإعلام والنشر». استهدفت الندوة تعزيز الإدراك الرشيد لمواجهة تحديات الواقع المعاصر والسيولة المعلوماتية التي تشهدها الحقبة الرقمية.
شارك في الندوة الشيخ عمر سالم باجخيف، عضو الاتحاد العام للناشرين العرب، والدكتور مصطفى عبد الكريم، مدير البوابة الإلكترونية بدار الإفتاء، وأدار الحوار الدكتور جودة بركات، أستاذ اللغة الألمانية بجامعة الأزهر، بحضور نخبة من الإعلاميين والمفكرين، وفي مقدمتهم الدكتور سعد المطعني، كبير مذيعي إذاعة القرآن الكريم.

الكتاب المطبوع.. الملاذ الآمن من تزييف “الخوارزميات”
حذر الشيخ عمر سالم من “توحش” الذكاء الاصطناعي الذي بات يهدد وجدان النشء، واصفاً إياه بـ “الغول” الذي يتغلغل يومياً في حياة الأطفال. وأكد أن الوعي الحقيقي يجب أن يرتبط بالأصول العظيمة (الكتاب والسنة وسير السلف)، مشيراً إلى أن الهوية الفكرية للمسلم تُصان عبر “الكتاب التراثي” المطبوع.
وشدد “باجخيف” على أن الكتاب المطبوع يظل الوسيلة الأكثر أماناً وموثوقية، كونه غير قابل للتلاعب أو الحذف كما يحدث في الفضاء الإلكتروني، داعياً إلى ضرورة إعادة ترتيب الأولويات ليكون “القرآن الكريم” وأوراده اليومية على رأس اهتمامات الفرد والجماعة لمواجهة تشتت الانتباه الرقمي.
الوعي أعمق من العلم.. وتحدي “تنزيل النص”
من جانبه، طرح الدكتور مصطفى عبد الكريم رؤية فلسفية للوعي، معتبراً إياه “مرتبة تفوق العلم”؛ فالمعلومة وحدها لا تكفي ما لم يمتلك صاحبها إدراكاً لكيفية توظيفها. وأوضح أن التحدي الأكبر داخل دار الإفتاء يكمن في “عملية تنزيل النصوص على الواقع”، وهي عملية مركبة تراعي الأشخاص والأحوال والأزمنة، وهو ما يفسر اختلاف الفتاوى باختلاف السياق.
كما حذر عبد الكريم من “التخمة المعلوماتية” وغياب العقل النقدي، مؤكداً أن كثرة المعلومات قد تتحول إلى ضرر إذا لم يمتلك الإنسان القدرة على التمييز بين النفع والزيف، مستشهداً بالهدي النبوي في التثبت والتبين قبل النشر أو التحديث.
“التربية الإعلامية”.. مشروع جيل وليس فرد
أشار الدكتور جودة بركات إلى أن صناعة الوعي هي “مشروع أجيال” يتطلب خططاً جماعية منظمة. واستعرض تجربة “فنلندا” كدولة رائدة تدرس مادة “التربية الإعلامية”، مما جعل مواطنيها أكثر قدرة على كشف الأخبار الزائفة، داعياً إلى تعميم هذه التجربة عالمياً لحماية عقول النشء من المحتوى العشوائي الذي يمثل 90% من الفضاء الإلكتروني.
وفي مداخلة ثرية، أكد الدكتور سعد المطعني أن “إعلام المواطن” وسرعة النقل جعلت من الصعب حجب الرسائل المضللة، مشدداً على أن مواجهة “الميليشيات الإلكترونية” تتطلب صناعة محتوى هادف يعيد الاعتبار للغة العربية الفصحى وللقيم الدينية الأصيلة، كبوصلة تربوية في عالم مفتوح لا يعترف بالحدود.









