تعد السياحة فى مصر ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، ومع حلول عام 2026 والاقتراب من تحقيق «رؤية مصر 2030»، لم تعد السياحة مجرد زيارة للأهرامات أو استجماماً على الشواطئ، بل تحولت إلى منظومة ذكية ومستدامة تعتمد على التكنولوجيا الفائقة والتنوع البيئي. وهنا أستشرف ملامح «سياحات المستقبل» فى أرض الكنانة، وكيف تعيد الدولة صياغة تجربتها السياحية لتصبح مقصداً عالمياً رائداً فى العصر الرقمي.
تعد التكنولوجيا حجر الزاوية فى سياحة المستقبل بمصر. مع تدشين التطبيقات الذكية، وتوسع خدمات الجيل الخامس (5G) التى غطت معظم المناطق السياحية. بحلول عام 2026 أصبح السائح يعيش تجربة رقمية متكاملة. وتتيح المتاحف الحديثة، وعلى رأسها المتحف المصرى الكبير، للزوار رؤية الآثار فى صورتها الأصلية قبل آلاف السنين عبر نظارات خاصة، مما يجعل التاريخ ينبض بالحياة. وأصبحت السياحة فى مصر «ذكية» بالكامل، مما يقلل الازدحام ويرفع كفاءة الخدمة.
ولم تعد المدن الجديدة فى مصر مجرد تجمعات سكنية، بل صُممت لتكون مراكز سياحية عالمية تعمل طوال العام وليس موسمياً فقط.
مثلا مدينة العلمين الجديدة بفضل أبراجها الفندقية التى تضاهى ناطحات سحاب دبي، وممشاها السياحى العالمى بطول 14 كم، تحولت العلمين إلى وجهة سياحية دولية تربط بين سياحة الشواطئ وسياحة المؤتمرات والفعاليات الثقافية الكبري.
ومشروع رأس الحكمة يمثل هذا المشروع قفزة نوعية فى جذب الاستثمارات الأجنبية، حيث يتم بناؤه وفق معايير «المدن الخضراء» التى تعتمد على الطاقة المتجددة وتحلية المياه، مما يجعله مقصداً لنوعية جديدة من السياح الباحثين عن الفخامة الصديقة للبيئة.
وفى ظل التغيرات المناخية العالمية، وضعت مصر استراتيجية طموحاً لتعزيز السياحة البيئية. تمتلك مصر 30 محمية طبيعية يتم تطويرها حالياً لتكون مراكز جذب للسياحة المستدامة. ومنها محمية وادى الجمال وسيوة، حيث يتم التركيز على «النزل البيئية» التى تبنى بمواد طبيعية وتعتمد على الطاقة الشمسية، حيث يفضل سائح المستقبل الابتعاد عن صخب المدن والاندماج مع الطبيعة البكر والحياة البدوية الأصيلة. وشهدت هذه الأنماط نمواً كبيراً، حيث تجذب مصر الآن هواة الطبيعة من مختلف دول العالم، خاصة مع اهتمام الدولة بحماية التنوع. وأصبح مفهوم التنمية المستدامة هو المحرك الأساسى لكافة المشروعات السياحية الجديدة، بهدف الحفاظ على الموارد الطبيعية والتراثية للأجيال القادمة مع تعظيم العائد الاقتصادى والاجتماعي.
مفهوم السياحة المستدامة فى السياق المصرى
السياحة المستدامة لا تعنى فقط حماية البيئة، بل هى معادلة توازن بين ثلاثة أبعاد رئيسية. وهى البعد الاقتصادى الذى يعنى تحقيق نمو مستقر، والبعد الاجتماعى الذى يعنى دمج المجتمعات المحلية وتوفير فرص عمل، والبعد البيئى وهو حماية التنوع البيولوجى والموارد الطبيعية. فى مصر تترجم هذه الأبعاد من خلال تحويل المقاصد السياحية التقليدية إلى «مقاصد خضراء» تحترم خصوصية المكان.
ولا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة دون إشراك المجتمع، ففى مناطق مثل النوبة بأسوان ومناطق البدو فى سيناء، أصبحت السياحة مصدراً لتمكين السكان. ويزور السائح القرى النوبية، ويسكن فى بيوت أهلها، ويتعرف على كل ملامحها الجميلة.
وتلعب سياحة المستقبل دوراً محورياً فى قيادة عجلة الاقتصاد الحديث، حيث لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت قطاعاً إستراتيجياً قائماً على الابتكار والتكنولوجيا. تكمن أهميتها فى قدرتها على جذب استثمارات ضخمة فى مجالات الذكاء الاصطناعى والمدن الذكية، مما يساهم فى خلق فرص عمل غير تقليدية للشباب فى قطاعات البرمجة والإدارة البيئية.
علاوة على ذلك، تعمل السياحة المستدامة والرقمية على تعظيم موارد الدولة من العملة الصعبة عبر استقطاب «السائح النوعي» الذى يبحث عن تجارب فاخرة وصديقة للبيئة. إن التحول نحو سياحة ذكية يقلل التكاليف التشغيلية ويزيد من مرونة الاقتصاد أمام الأزمات، مما يضمن تدفقاً نقدياً مستداماً يعود بالنفع على الناتج المحلى الإجمالي.
وللحديث بقية









