تمثل المدارس التكنولوجية التطبيقية أحد أهم مشروعات تطوير التعليم الفنى فى مصر، التى تضع عليها الحكومة آمالاً كبيرة لسد احتياجات سوق العمل بعمالة فنية مدربة ومزودة بالمهارات الدولية.. ومع ذلك يواجه طلاب وخريجو هذه المدارس العديد من التحديات المتعلقة بالإمكانات، والشراكات الصناعية، والمستقبل الوظيفى وذلك فى 115 مدرسة قائمة حاليا.
ورغم التوسع فى إنشاء هذه المدارس خلال السنوات الأخيرة، فإن التجربة يواجهها عدد من التحديات، أبرزها تباين مستوى الشراكات الصناعية، إلى جانب غياب مسمى وظيفى واضح لخريجيها فى سوق العمل، والحاجة إلى تحسين النظرة المجتمعية التقليدية للتعليم الفنى، من أجل إعداد فنى تكنولوجى مؤهل يحظى بالتقدير المهنى والاقتصادى اللائق.
فتحت «الجمهورية» ملف المدارس التكنولوجية والتحديات التى تواجهها، بين طموحات وتوقعات سوق العمل، وآمال آلاف الطلاب الباحثين عن مستقبل مهنى مختلف.
قال هاشم جامع رئيس الإدارة المركزية للتعليم الفنى بوزارة التربية والتعليم سابقاً إن تمكين خريجى المدارس الفنية التكنولوجية فى سوق العمل يرتبط بشكل أساسى بدور الشريك الصناعى، مشدداً على ضرورة أن يقوم هذا الشريك بإعداد كادر وظيفى جديد يتناسب مع طبيعة هذه المخرجات التعليمية، فى ظل ظهور مسمى مهنى جديد على مستوى العالم الفنى التكنولوجى.
أوضح «جامع» أن الفنى التكنولوجى يحصل على درجة البكالوريوس من الجامعات التكنولوجية، ولا يُعد مساعد مهندس بل معاوناً له، مشيراً إلى أن منظومة التعليم الفنى التكنولوجى التطبيقى تعتمد على التدريب العملى المكثف بالتعاون مع الشريك الصناعى، بما ينعكس على طبيعة المسار الوظيفى للخريج.
أضاف أن خريج المدارس التكنولوجية يبدأ مساره المهنى كـ «فنى»، بينما يتحول بعد استكمال دراسته فى الجامعات التكنولوجية إلى «تكنولوجى»، وهو تخصص أقرب إلى المهندس من حيث المهارات الفنية، وإن لم يكن مهندساً، لافتاً إلى أن التخصصات التكنولوجية بطبيعتها فنية تطبيقية، فى حين يميل دور المهندس إلى الجوانب الإدارية والتخطيطية.
شدد جامع على أن خريجى المدارس التكنولوجية يحتاجون إلى رعاية وتقدير أكبر من الوضع الحالى، مع ضرورة تغيير النظرة المجتمعية السائدة، والتعريف بأهمية الفنى التكنولوجى داخل المصانع والشركات، مطالباً الشريك الصناعى بالاعتراف بهذا الخريج، وتوفير وظيفة تتناسب مع مؤهلاته ومهاراته التى تفوق الفنى التقليدى، إلى جانب منحه مسمى وظيفياً عادلاً وأجراً قريباً من راتب المهندس.
أشار إلى أن تحقيق ذلك يتطلب دعم إنشاء مجلس أعلى للجامعات التكنولوجية، لوضع السياسات العامة لمستقبل هذه الفئة من خريجى المدارس، على أن تكون توصياته ملزمة للشركات وسوق العمل لاستيعاب الخريجين وضمان دمجهم فى منظومة الإنتاج.
أوضح أن النظرة المجتمعية السلبية تجاه التعليم الفنى مازالت قائمة، رغم الاهتمام الحكومى المتزايد بهذا القطاع، مؤكداً أن هذه النظرة تؤثر بشكل مباشر على الحالة النفسية للطلاب ودوافعهم للعمل، مطالباً بإطلاق حملات توعية حقيقية تبرز أهمية التعليم الفنى التكنولوجى باعتباره مساراً أساسياً للتنمية وداعماً رئيسياً لسوق العمل.
أكد كمال هندى، مدير مدرسة سابقاً أن مدارس التكنولوجيا التطبيقية تعد من أهم المشروعات التعليمية، حيث جاءت كبديل عملى للتعليم الفنى التقليدى، وتهدف إلى ربط التعليم بسوق العمل وتلبية احتياجات الصناعة الحديثة وقد أنشأتها وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع مؤسسات صناعية كبرى، مما ساهم فى تطوير منظومة التعليم الفنى بشكل ملحوظ.
أضاف أن هذه المدارس تعتمد على مناهج حديثة تجمع بين الدراسة النظرية والتدريب العملى داخل المصانع والشركات، وهو ما يكسب الطلاب خبرة حقيقية قبل التخرج، كما يحصل الطالب على شهادة معتمدة وفرص توظيف مباشرة بعد الانتهاء من الدراسة، بالإضافة إلى مكافآت مالية أثناء فترة التدريب فى بعض التخصصات.
أشار محمد حسام معلم تعليم فنى إلى أن هناك بعض السلبيات التى تواجه مدارس التكنولوجيا التطبيقية، من أبرزها قلة عدد المدارس مقارنة بعدد الطلاب الراغبين فى الالتحاق بها، مما يجعل القبول فيها محدوداً وتنافسياً للغاية، كما أن بعض التخصصات قد تكون مرتبطة بمصانع أو شركات محددة، ما يقلل من تنوع فرص العمل فى بعض الأحيان.
قال محمد بيرو وكيل مدرسة ذات النطاقين ببولاق الدكرور إن هذه المدارس مازالت بحاجة إلى مزيد من الدعم الإعلامى لتعريف الطلاب وأولياء الأمور بأهميتها ومستقبلها المهنى.
أوضح خالد سعيد معلم زخرفة أن مدارس التكنولوجيا التطبيقية تمثل خطوة قوية نحو تطوير التعليم الفنى، ورغم ما تواجهه من تحديات، فإن العمل على تلافى السلبيات وتوسيع نطاق هذه المدارس سيسهم بشكل كبير فى بناء جيل مؤهل وقادر على دعم التنمية الاقتصادية والصناعية فى البلاد.
أضاف أن هذه المدارس ساهمت فى تحسين نظرة المجتمع للتعليم الفنى بعد أن كان يُنظر إليه نظرة سلبية لسنوات طويلة، كما تساعد فى تقليل نسبة البطالة من خلال إعداد كوادر فنية مدربة وفقاً لمتطلبات سوق العمل المحلى والدولى.
دعا خالد الجروانى خبير تربوى إلى الاستفادة من الخبرات اليابانية والكورية، وبمشاركة العديد من الوزارات مثل الصناعة ووزارة العمل ووزارة التربية والتعليم، لتغيير نظرة المجتمع للتعليم الفنى وإتاحة تخصصات مطلوبة فى سوق العمل.
من جانبه، أوضح أحمد ماهر مدرس تعليم فنى أن التعليم الفنى التكنولوجى بات يمثل فرصة حقيقية للطلاب، مؤكداً أن المدارس التكنولوجية تفتح آفاقاً جديدة فى مجالات مثل البرمجة، والتحكم الآلى، والصيانة الذكية، وهو ما يضمن مستقبلاً واعداً حال تعميم التجربة وتوفير كوادر تدريس مؤهلة.
أضاف أن سوق العمل لم يعد بحاجة إلى عامل مهنى تقليدى، بل إلى خريج يمتلك فهماً للتكنولوجيا الحديثة، لافتاً إلى أن السنوات المقبلة ستشهد طلباً متزايداً على فنيين يجمعون بين المهارة التقنية والمعرفة التكنولوجية، وهو ما يمكن أن يحققه التعليم الفنى التكنولوجى إذا طُبق بشكل سليم.
فى السياق ذاته، أكد سعيد رمضان مدرس تبريد وتكييف أن ضعف الإمكانيات يمثل أحد أكبر التحديات التى تواجه التعليم الفنى، موضحاً أن العديد من الورش المدرسية تعانى تهالك المعدات، ما يحرم الطلاب من التدريب على الأجهزة الحديثة المستخدمة فعليًا فى سوق العمل.
على صعيد أولياء الأمور، قالت هند ربيع «ولى أمر» إن طلاب المدارس التكنولوجية درسوا تخصصات دقيقة، ومن حقهم الطبيعى أن تقوم الدولة بوضع مسارات جامعية مناسبة لدراستهم.
اتفق معها ياسر سعد ومحمد سمير وعبدالله كامل أولياء أمور، مشيرين إلى أن طلاب المدارس التكنولوجية هم مستقبل الصناعة المصرية، ولابد من تسليط الضوء عليهم وعلى أنشطة هذه النوعية من المدارس أسوة بمدارس الثانوية العامة، مطالباً بإنشاء مسارات جامعية تتلاءم مع دراستهم.









