العالم لا يحترم إلا الأقوياء.. والقوة ليست حصرًا في امتلاك السلاح والقدرة على خوض الحروب.. حقيقة القوة أن تمتلك القدرة على فرض رؤيتك دون صراع.. وإجبار الآخرين على احترامك دون صدام.. مصر تقدم الآن نموذجًا فى القوة الذكية التي لا تقتصر على السلاح وإنما تشمل الرؤية العقلانية، والتأثير السياسي والدبلوماسى فى محيطها وإدارة علاقاتها بتوازن ومهارة لا تجعلها خاضعة لأحد، أو محسوبة على قوي دون أخرى، بل تتنوع علاقاتها شرقًا وغربًا وتتعاون مع الجميع، دون أن تدخل طرفًا في صراع، ولا تنحاز إلا لما تراه صحيحًا ويحقق الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمى، مواقفها نابعة من رؤيتها وأمنها القومى ومصالحها الإستراتيجية ولذلك تحظى باحترام الجميع.
والقمة التي شهدتها مدينة دافوس الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الأمريكي ترامب تعكس هذا الاحترام المتبادل بين رئيس القوة العظمى الأولى في العالم ورئيس الدولة الأكبر والأكثر تأثيرًا في الشرق الأوسط.
ترامب لا يتحدث عن مصر ورئيسها لا يكل احترام، والرئيس السيس قدر واشنطن دورها ومكانتها العالمية – ترامب يشيد دائما بنجاح الرئيس السيسي في تحقيق الأمن التنمية لبلده وشعبه ويصفه بأنه قائد عظيم وركيزة أساسية في الاستقرار الإقليمي، والرئيس السيسي يشيد بمواقف ترامب الساعية للسلام يؤكد أنه لولا دوره ما تحقق وقف إطلاق النار في غزة.
هذه لغة حوار راقية ومتزنة تعكس مدى الاحترام المتبادل وأيضا مكانة مصر وقيادتها عند رئيس أكبر دولة في العالم.
لكن في الوقت نفسه لم تشهد الفترة الماضية أي قبول من مصر بالتدخل في شئونها أو فرض قرار عليها فالاستقلالية المصرية مبدأ لا تنازل عنه مهما كان الثمن.
في إطار هذه العلاقة، كان وما زال التعاون المصرى- الأمريكي في ملف غزة والوصول به إلى هذه المرحلة الحاسمة استعدادًا لبدء المرحلة الثانية من اتفاق السلام الموقع في مدينة شرم الشيخ بحضور ترامب و30 قيادة عالمية، فإذا كان المقترح المقدم من الرئيس ترامب والذي تبني الرؤية المصرية- هو الذي جرى الاتفاق عليه، فإن الدور الأكبر في الحوار والمفاوضات وتقريب وجهات النظر وجسر الفجوة بين الأطراف كان لمصر التي تعاملت بحكمة ونجحت في تحقيق ما كان صعبًا، ولذلك فإن دورها الفترة القادمة سيكون الأهم سواء في دعم وتمكين اللجنة الوطنية أو إدارة ملف تحقيق الأمن والاستقرار في غزة أو إدارة ملف الحوار الفلسطيني الفلسطيني وهذا ما يجرى الحديث والتوافق حوله الآن بين القاهرة وواشنطن التي تعلم جيدًا أن مصر وقيادتها في الأكثر فهمًا لطبيعة الملف الفلسطيني، والأكثر قدرة على تفكيك تعقيداته شريطة أن تضمن واشنطن تحجيم الأطماع الإسرائيلية.
الملف الفلسطيني في الحوار بين القاهرة وواشنطن بمثل ركيزة كبيرة في الحوار.. لأن طريق الاستقرار في المنطقة يبدأ من القضية الفلسطينية وهذا ما أصبحت الإدارة الأمريكية تدركه جيدًا.. ولا نبالغ القول، إن الفضل في هذا راجع إلى صلابة الموقف المصري.
وانعكاسًا لهذا الدور الذي تأكد للجميع أنه لا غني عنه فى الإقليم، كان الإعلان من ترامب بالتدخل فى ملف السد الإثيوبي ومحاولة إيجاد حل.. ترامب لم ينكر أن مصر صاحبة حق، وأن الولايات المتحدة وهي تمول هذا السد الخبيث كان يجب أن تفكر في هذا الحق المصري، ولذلك هو يحاول تصحيح الأخطاء، وهو موقف يجب أن نسانده لأنه يمكن أن يحقق نجاحا ويفتح آفاقا أفضل كما قال الرئيس السيسي.
هنا يجب أن يدرك الجميع أن البناء على دور ترامب ليس ضعفًا بل حرص على الحلول الدبلوماسية والسياسية التي تفضلها القيادة المصرية وتدعو إليها دائما كوسيلة لحل الأزمات، وهو أحد الأمور التي فرضت الاحترام المصرى عالميًا، لكن في الوقت نفسه لا تتنازل مصر عن كافة حقوقها فى الحفاظ على أمنها المائي بشتى الوسائل المتاحة، وهذا ما يعلمه الجميع ويدركون قدرة مصر على ذلك.
فنحن نفتح الباب أمام ترامب للوساطة مثلما فتحناه أمام كل من سعوا لذلك من قبل حبًا في السلام وليس غير ذلك.
يأتي الملف الثالث وهو العلاقات الثنائية المصرية – الأمريكية والتي وصفها ترامب نفسه بأنها رائعة، وأعلن الرئيس السيسى أنه يسعى إلى الارتقاء بهذه العلاقات إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية، والحقيقة أن ما بين الدولتين من علاقات وثيقة وتعاون في كافة المجالات يؤهل للوصول إلى المستوى الذي يريده الرئيسان، وأعتقد أن الفترة القادمة ستشهد مزيدًا من التطور فى العلاقات الثنائية سواء سياسيًا أو عسكريًا أو اقتصاديًا، لأن الرغبة المشتركة موجودة والأرضية التي يمكن البناء عليها متوافرة والأهم أن هذا التطور يصب فى مصلحة الشعبين المصرى والأمريكي، فكما أنه ليس من مصلحة مصر خسارة الشريك الأمريكي فليس من مصلحة واشنطن أبدًا خسارة مصر بما تملكه من مكانة وتأثير في النطاق الإقليمى ومصداقية دولية.
الخلاصة أننا الآن أمام نموذج جيد جدًا للعلاقة بين الدولتين.. نموذج قائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، دون إجبار على شيء، ولم يكن هذا النموذج يتحقق إلا بعدما أصبح لدينا قيادة، تعرف كيف تدير علاقاتها الخارجية بمبدأ الاستقلالية والندية والمصالح المشتركة، وتفرض رؤيتها بعقلانية واتزان، ولذلك استحق الرئيس السيسى أن يصفه ترامب بأنه قائد عظيم.