مع بداية موسم حصاد الأرز في سبتمبر من كل عام، يواجه المجتمع المصري تحدياً بيئياً وصحياً جسيماً ناتجاً عن “الحرق المكشوف” لقش الأرز؛ وهي العادة التي تسبب ما يُعرف إعلامياً بـ«السحابة السوداء». لا تتوقف أضرار هذه الظاهرة عند التلوث البصري، بل تمتد لتصيب المواطنين بأمراض الجهاز التنفسي، والربو، والتهابات العين، فضلاً عن تأثيراتها السلبية على الجهاز العصبي وتغير المناخ.
تشريعات حازمة وعقوبات رادعة
لمواجهة هذا الخطر، فَعّلت الدولة قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020، حيث تنص المادة (20) منه على عقوبات صارمة لكل من يرتكب مخالفة بيئية بحرق المخلفات، تبدأ بغرامة 50 ألف جنيه وتصل إلى مليون جنيه، والحبس لمدة عام، أو إحدى هاتين العقوبتين. ورغم وضوح النص القانوني، يشدد خبراء ومسؤولون بوزارة البيئة على ضرورة التفعيل الكامل لهذه العقوبات لضمان الردع، خاصة مع رصد حالات حرق ليلية للالتفاف على الرقابة.

تكاتف وزاري ومنظومة عمل متكاملة
تقود وزارة البيئة، بالتعاون مع وزارات التنمية المحلية والزراعة والداخلية، منظومة متكاملة للسيطرة على التحديات الميدانية. وأكدت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والقائم بأعمال وزير البيئة، أن الوزارة وفرت مواقع تجميع منتشرة في محافظات الدلتا، وعلى رأسها محافظة كفر الشيخ، لتحويل القش إلى سلعة ذات قيمة مضافة.
وأوضحت الوزيرة أن المنظومة نجحت على مدار سنوات في خلق أسواق عمل جديدة للشباب، حيث تحول المتعهدون من مجرد جامعي مخلفات إلى مستثمرين بيئيين يوفرون فرص عمل مستدامة، مؤكدة أن جمع وكبس القش أصبح مهنة مستمرة طوال العام لا تقتصر على موسم الحصاد فقط.

القيمة الاقتصادية: القش كبديل للأعلاف والطاقة
من الناحية العلمية، يشير الدكتور عبد العزيز طنطاوي، رئيس مركز البحوث الزراعية الأسبق، إلى أن مصر تنتج سنوياً نحو 3.5 مليون طن من قش الأرز. ويمكن تحويل هذا الكم الهائل إلى:
- أعلاف غير تقليدية: عبر حقنه بغاز الأمونيا لرفع قيمته الغذائية، حيث يعادل 4 كيلوجرامات من القش كيلوجراماً واحداً من العليقة المركزة المكلفة.
- سماد عضوي: باستخدام مادة (EM) المحللة للسيليلوز، مما يوفر بدائل اقتصادية للأسمدة الكيماوية مرتفعة الثمن.
- صناعات تحويلية: مثل إنتاج الخشب الحبيبي (MDF)، والطاقة الحيوية، وزراعة “المشروم”.

دور الإرشاد الزراعي والوعي المجتمعي
أكد الدكتور مجدي علام، أمين عام اتحاد خبراء البيئة العرب، أن الأزمة تكمن أحياناً في استسهال البعض حرق الحشائش (“الهيش”) على ضفاف الترع. وشدد على دور الإرشاد الزراعي في توفير المعدات اللازمة للقطع والكبس، مشيراً إلى أن المخلفات الزراعية في مصر تصل إلى 53 مليون طن سنوياً، وهي “كنز” يمكنه دعم 12 صناعة مختلفة بدلاً من تبديده حرقاً.
مشروعات دولية لخفض الانبعاثات
وفي إطار الجهود الدولية، أشار الدكتور محمد حسن، المنسق الوطني لمشروع إدارة تلوث هواء القاهرة الكبرى (الممول من البنك الدولي)، إلى أن المشروع يعمل منذ عام 2021 بميزانية قدرها 200 مليون دولار لتحسين جودة الهواء، عبر دعم البنية التحتية لإدارة المخلفات وإنشاء مرافق معالجة متطورة، مما يسهم في خفض غازات الاحتباس الحراري وتطوير منظومة الرصد البيئي.












