يأتى منتدى دافوس الاقتصادى العالمى فى توقيت استثنائي، حيث يقف العالم على مفترق طرق تاريخي، تتراجع فيه اليقينيات القديمة، وتتصاعد فيه المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية والبيئية والصحية فى آن واحد. لم يعد دافوس مجرد ملتقى للنخب الاقتصادية، بل تحوَّل إلى منصة لإدارة القلق العالمي، ومحاولة لتنسيق استجابات مشتركة لعالم يتغير بوتيرة أسرع من قدرته على التكيف.
>>>
الملفات المطروحة فى دافوس تعكس بوضوح هذا التحول. الاقتصاد لم يعد منفصلًا عن السياسة، ولا التنمية بمعزل عن الأمن، ولا البيئة عن الاستقرار. القضايا الصحية، والمياه، والغذاء، والتكنولوجيا، باتت تشكل معًا منظومة واحدة، أى خلل فيها ينعكس فورًا على الأسواق والدول والمجتمعات. من هنا، يكتسب المنتدى أهمية تتجاوز النقاشات التقليدية حول النمو والتضخم، ليصبح مساحة لإعادة التفكير فى شكل النظام الدولى نفسه.
>>>
فى هذا المشهد المعقد، تبرز المشاركة المصرية باعتبارها مشاركة واعية بطبيعة المرحلة وحجم التحديات. حضور الرئيس عبد الفتاح السيسى فى دافوس يعكس إدراكًا بأن التأثير فى القرارات العالمية لم يعد يمر فقط عبر المؤسسات التقليدية، بل من خلال التواجد المباشر فى المنصات التى تصوغ التوجهات الاقتصادية والسياسية الكبري. مصر تحضر ليس فقط لتعرض فرص الاستثمار، بل لتطرح رؤية شاملة للتعامل مع أزمات متداخلة تمس الأمن الإقليمى والدولى.
>>>
أحد المحاور المهمة فى دافوس هذا العام هو الملف الطبي، الذى لم يعد يُنظر إليه كقضية إنسانية أو خدمية، بل كأحد أعمدة الأمن القومى والاقتصادي. تجربة جائحة كورونا كشفت هشاشة النظام الصحى العالمي، وعدم عدالة توزيع الدواء واللقاحات، واعتماد الدول النامية على الخارج فى سلاسل الإمداد الطبية. فى هذا السياق، تبرز مصر اهتمامها بتوطين الصناعات الدوائية، وتعزيز قدراتها الصحية، والتعاون مع الشركاء الدوليين فى مجالات التكنولوجيا الطبية والذكاء الاصطناعى فى الرعاية الصحية، باعتبار الصحة شرطًا أساسيًا للاستقرار والتنمية.
>>>
وبالتوازى مع الملف الطبي، يحتل محور المياه والغذاء الأزرق مساحة متقدمة فى مناقشات دافوس. العالم يواجه ضغوطًا غير مسبوقة على الموارد المائية، فيما يتزايد الطلب على الغذاء فى ظل التغير المناخى والنمو السكاني. الاقتصاد الأزرق، بما يشمله من موارد بحرية، وثروة سمكية، وتكنولوجيا غذاء بحري، لم يعد خيارًا إضافيًا، بل أحد حلول المستقبل للأمن الغذائى العالمي. هنا، تطرح مصر نفسها كدولة تمتلك سواحل ممتدة على البحرين الأحمر والمتوسط، وخبرة متراكمة فى مشروعات الاستزراع السمكي، وقدرة على الربط بين الأمن الغذائى والتنمية المستدامة.
>>>
المشاركة المصرية تسعى أيضًا إلى التأكيد على الدور الإستراتيجى لقناة السويس فى استقرار التجارة العالمية، خاصة فى ظل التوترات التى ضربت سلاسل الإمداد خلال السنوات الأخيرة. فمصر لا تقدم نفسها فقط كممر لعبور التجارة، بل كمركز لوجستى وصناعى قادر على إضافة قيمة للاقتصاد العالمي، فى وقت يبحث فيه المستثمرون عن بدائل مستقرة وآمنة.
>>>
وعلى هامش المنتدي، تعكس اللقاءات الثنائية التى يجريها الرئيس السيسى مع عدد من قادة العالم، من بينهم الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، إلى جانب قادة أفارقة مثل رئيس غانا، دبلوماسية نشطة تربط بين السياسة والاقتصاد. هذه اللقاءات تحمل رسائل متعددة، تتعلق بدور مصر فى دعم الاستقرار الإقليمي، وتعزيز التعاون بين دول الجنوب، وطرح مقاربة متوازنة لإدارة الأزمات بدلًا من تصعيدها.
>>>
كما تحرص مصر فى دافوس على تأكيد عمقها الإفريقي، والدفاع عن قضايا القارة فى ملفات الديون، والتنمية، والصحة، والغذاء، والمناخ. هذا الدور يعزز صورة مصر كدولة جسر بين إفريقيا والعالم، وقادرة على نقل شواغل الجنوب إلى مراكز صنع القرار الدولي، فى وقت تتسع فيه فجوة الثقة بين الدول النامية والاقتصادات الكبرى.
>>>
فى المجمل، يعكس منتدى دافوس هذا العام عالمًا يعيش حالة إعادة ترتيب شاملة، حيث تتقاطع الأزمات الصحية مع الضغوط الاقتصادية، والتغير المناخى مع الصراعات الجيوسياسية. وفى هذا السياق، تبدو المشاركة المصرية تعبيرًا عن رؤية ترى أن الحضور والتأثير فى هذه اللحظة التاريخية لم يعد ترفًا، بل ضرورة إستراتيجية. فالعالم لا يبحث فقط عن نمو اقتصادي، بل عن نماذج استقرار وقدرة على الصمود، وهى معادلة تسعى مصر إلى أن تكون جزءًا أساسيًا من حلها فى عالم شديد الاضطراب.









