لم يحدثنا التاريخ .. أن رجال شرطة دولة من بين كل دول العالم .. تصدوا بأسلحتهم البدائية البسيطة .. لجيش أقوى إمبراطورية فى العالم فى ذلك الوقت .. كما حدث بين رجال شرطة الإسماعيلية وقوات جيش الإمبراطورية الإنجليزية يوم 52 يناير 2591 .. حيث دارت معركة العزة والكرامة والوطنية والشرف .. رفض جنود الشرطة تسليم مبنى المحافظة «قسم شرطة البستان» للقوات البريطانية .. التى تحاصر مبنى المحافظة .. بأحدث دبابات سنتوريون وأقوى مدافع هاوتزر.. والعديد من المدرعات وقوات المظلات المعروفة بـ«الشياطين الحمر» .. وفى الرابعة صباحاً .. بعد الانتهاء من فرض هذا الحصار المحكم حول مبنى المحافظة .. طلب العميد «أكسهام» قائد القوات الإنجليزية .. أن يسلم رجال الشرطة المصرية فى مبنى المحافظة أسلحتهم .. والخروج فى طوابير منتظمة تحت حراسة القوات الإنجليزية .. إلى محطة السكة الحديد .. حيث ينتظرهم قطار خاص لترحيلهم إلى القاهرة .. وذلك خلال ساعة واحدة .. وإلا سوف تقوم القوات الإنجليزية بتنفيذ ذلك بالقوة .. هنا وقف اليوزباشى «نقيب» مصطفى رفعت قائد قوات الشرطة .. ليقول مقولته الخالدة .. لن نستسلم .. ولن يدخلوا مبنى المحافظة إلا على جثثنا .. وتم توزيع رجال الشرطة على المبنى واتخاذ وضع القتال .. وتولى ضباط الشرطة الأبطال مسؤولية الدفاع .. ووقف اليوزباشى «عبدالمسيح مرقص» على رأس مجموعة .. والملازم أول «فؤاد الدالى» على رأس مجموعة أخرى .. وأصدر «فؤاد سراج الدين» وزير الداخلية فى ذلك الوقت قراره بعدم التسليم والدفاع عن المحافظة .. ودارت أعظم معارك الوطنية .. بروح وطنية حقيقية .. رجال شرطة أبطال يقاتلون حتى الموت .. يفضلون الموت عن التسليم للعدو المستعمر المغتصب .. وبدأت الطائرات الإنجليزية الطيران على ارتفاعات منخفضة .. لإرهاب رجال البوليس حتى يستسلمون .. استمرت المذبحة ثمانى ساعات كاملة .. هدمت خلالها القوات البريطانية سقف مبنى المحافظة واقتحمت الدبابات الأسوار الخارجية وأمطرت المحافظة بقنابل مختلفة المدافع بالإضافة إلى طلقات الدبابات .. وبادلهم رجال الشرطة الشرفاء .. النيران بمدافعهم البدائية مجرد بنادق «لى إنفيلد» من النوع الذى استُخدم فى الحرب العالمية الأولى .. لك أن تتخيل مدى حجم البطولة والتلاحم النادر والمتفرد .. لرجال شرطة ببنادق بدائية .. أمام أقوى الأسلحة وأعتاها.. حتى نفدت ذخيرتهم .. ويسقط منهم 65 شهيداً مصرياً .. سجلوا ببطولاتهم .. فى سجل التاريخ الناصع البياض .. وبعد نفاذ الذخيرة من أبطال الشرطة .. يخرج النقيب «مصطفى رفعت» ليقف أمام العميد «إكسهام» مؤدياً التحية العسكرية له .. قائلاً : إنكم تستحقون التحية على هذا الصمود وهذا القتال غير المتكافئ .. وهكذا يقدم المعتدى المغتصب المستعمر الإنجليزى .. التحية العسكرية رغماً عنه .. تقديراً وإعجاباً بصمود رجال البوليس المصرى الأبطال .. ولابد أن أقول .. إن أبناء الإسماعيلية من الفدائيين .. تسللوا من خلف المحافظة .. للوقوف جنباً إلى جنب مع رجال الشرطة .. لكن القوات الإنجليزية منعتهم .. من هنا جاء دور أبطال الإسعاف .. حيث رفضت القوات الإنجليزية دخول الإسعاف مبنى المحافظة لإسعاف من أصيب من المصريين .. لم يستجب البطل «سالم القاضي» مدير إسعاف الإسماعيلية .. الذى تولى قيادة سيارة الاسعاف بنفسه .. للنداء الإنجليزى بعدم دخول المحافظة .. وانطلق بسيارته إلى المحافظة .. وأطلق عليه الإنجليز النار .. ليصاب فى يده اليسرى بطلقات أحدثت عاهة مستديمة له .. ظل سالم القاضى «الله يرحمه» .. طوال حياته يتفاخر ويتباهى بهذه الإصابة مردداً .. إنها أعظم وسام حصل عليه فى حياته .. بالرغم من حصوله على وسام من الرئيس جمال عبدالناصر .. ويبقى السؤال .. لماذا الاعتداء على مبنى البوليس المصرى .. تعالوا نقرأ ما جاء فى وثائق وزارة الخارجية الإنجليزية .. قالوا : أن القوات البريطانية .. ترى أن رجال البوليس المصرى .. هم سند حقيقى للفدائيين .. وأن هناك تلاحماً بينهم وبين الفدائيين .. لذلك اتخذت القيادة العسكرية البريطانية قراراً بنزع سلاحهم وطردهم من منطقة القناة .. أقول .. نعم إنها ملحمة وطنية فريدة .. سجلها أبطال شرطة الإسماعيلية بدمائهم .. تحدث لأول مرة فى التاريخ .









