هل آن الأوان لأن نسأل، من باب القلق على الوطن: ماذا جرى حقًا فى يناير 2011؟ وهل يجوز أن يظل هذا السؤال مؤجلاً، محاطًا بسياج من الصمت أو محكومًا بسرديات لا تكفى للإحاطة بما جرى ونتائجه وآثاره الكارثية؟ أكان ما جري- فى بعض طبقاته العميقة- حدثًا جرى توظيفه بعناية، وركبته قوى لا ترى فى الأوطان سوى خرائط للمصالح وممرات للنفوذ؟ وهل يمكن لعقل منصف أن ينكر أن ما بدا فى لحظته حراكًا شعبيًا نقيًا، قد تحول سريعًا إلى ساحة مفتوحة للفوضي، وتصفية الحسابات، وتنفيذ أجندات لا علاقة لها بأحلام الناس البسطاء ولا بآلامهم الحقيقية؟
إن السؤال عن يناير ليس إنكارًا للغضب الاجتماعى ولا تبريرًا لأخطاء ما قبلها، لكنه محاولة لقراءة ما جرى بعين أكثر عمقًا من الشعارات، وأكثر اتزانًا من العاطفة. فما من مجتمع يخرج إلى الشارع من فراغ.. لكن ما يستحق التوقف عنده طويلاً هو كيف تحول هذا الغضب، الذى كان يمكن أن يُحتوى فى مسار إصلاحى عقلاني، إلى فوضى عارمة كادت تبتلع الدولة ذاتها، وكيف خرج المشهد سريعًا من يد أصحابه إلى أيدٍ أكثر تنظيمًا، وأشد قدرة على الاستثمار فى اللحظة، وأقل اكتراثًا بمصير الوطن.
لقد ظهر لاحقًا، وبوضوح لا يقبل المكابرة، أن جماعة الإخوان الإرهابية لم تكن طرفًا عابرًا فى هذا المشهد، بل كانت اللاعب الأكثر جاهزية لقطف ثماره، لا بوصفها قوة وطنية تسعى لبناء دولة حديثة، بل باعتبارها تنظيمًا مغلقًا رأى فى اللحظة فرصة للتمكين لا لحظة إنقاذ وطني. ولم يكن صعودها المفاجئ إلا نتيجة فراغ سياسى قاتل، تركته أحزاب ونخب فشلت فى أن تكون على قدر اللحظة، واكتفت إما بالمشاهدة أو بالمزايدة أو بالانسحاب من ساحة الفعل، تاركة المجال مفتوحًا لقوى أكثر انضباطًا وتنظيمًا، وإن كانت أقل وطنية وانفتاحًا.
وحين وصلت تلك الجماعة إلى الحكم، لم تبدُ مشغولة بإعادة بناء دولة أنهكتها الفوضي، بل انشغلت بأخونة المناصب، وتصفية مؤسسات الدولة من الداخل، واستبدال منطق الدولة بمنطق الجماعة، حتى بات الوطن ذاته مجرد تفصيلة فى مشروع أيديولوجى ضيق الأفق، لا يرى فى التعدد إلا تهديدًا، ولا فى الاختلاف إلا خيانة. عندها فقط أدرك كثيرون أن ما جرى لم يكن انتقالاً ديمقراطيًا بقدر ما كان انزلاقًا خطيرًا نحو اختطاف الدولة، وأن البلاد لم تكن على شفا بناء جديد، بل على حافة هاوية.
وفى قلب هذا المشهد المرتبك، لا يمكن القفز على دور الخارج، لا بوصفه فاعلاً أوحدًا، بل بوصفه لاعبًا بارعًا فى استثمار الضعف الداخلي. فالغرب الذى طالما تغنى بالديمقراطية وحقوق الإنسان، لم يكن يومًا وسيطًا نزيهًا فى منطقتنا، بل كان- ولا يزال- ينظر إلى هذه الجغرافيا باعتبارها ساحة مفتوحة لإعادة ترتيب المصالح، حتى لو كان الثمن دولاً تتفكك، ومجتمعات تنزف، وهويات تتآكل. وليس ما جرى فى ليبيا وسوريا والسودان عنا ببعيد، فكلها شواهد دامغة على أن الفوضى حين تبدأ لا تعترف بحدود، ولا تقف عند سقف.
لكن الأخطر من كل ذلك، أن الخسارة لم تكن سياسية فقط، بل كانت أخلاقية ومجتمعية بالأساس. فقد انزلقت اللغة العامة إلى درك غير مسبوق من السباب والتخوين، وتهاوت قيم الحوار والاختلاف، وصارت وسائل التواصل الاجتماعى ساحات مفتوحة لتشويه كل شيء، وتحطيم كل رمز، وبث الشك فى كل مؤسسة، حتى بدا وكأن المجتمع يعيد تشكيل نفسه على صورة غضبه وانقسامه لا على صورة تاريخه وعقله الجمعي. ووسط هذا الركام، ظهرت جرائم لم يكن أكثر المتشائمين يتصور وقوعها، وتراجع الإحساس العام بالمسئولية، وغابت فكرة الصالح العام لصالح انفعالات لحظية وصراعات هوية مفتعلة.
من هنا تبدو الحاجة إلى كتابة تاريخ تلك المرحلة كتابة موضوعية شاملة ليست ترفًا فكريًا ولا ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية. تاريخ يربط بين الأسباب والنتائج، بين اللحظة والمآل، بين الخطأ والخسارة، دون انتقام ولا تبرئة مجانية. تاريخ يجيب بجرأة عن أسئلة موجعة: من المسئول؟ ولماذا صمتت النخب؟ ولماذا فشلت الحكومات؟ ولماذا تُركت الدولة عارية أمام العاصفة؟ ولماذا تأخر الوعى إلى أن صار الثمن فادحًا؟
إن فى مواجهة هذه الأسئلة استعادة لهيبة العقل قبل هيبة الدولة، لأن الدولة القوية لا تقوم فقط بالسلاح أو القوانين، بل بالوعى الذى يحرسها من الداخل، وبالإدراك الجمعى الذى يميز بين النقد المشروع والهدم المتعمد، وبين الغضب الصادق والدعوات المشبوهة التى لا ترى فى الوطن إلا هدفًا سهلاً للضرب والتفكيك.
وحين جاءت 30 يونيو، لم تكن مجرد لحظة سياسية عابرة، بل كانت فى جوهرها صرخة شعب استعاد وعيه متأخرًا، وقرر ألا يترك دولته تُختطف أو تُستبدل أو تُفرغ من معناها، فاختار الدولة على الفوضي، والمؤسسة على التنظيم، والاستقرار على المغامرة المجهولة. ولم يكن هذا الاختيار بلا ثمن، لكنه كان- فى ميزان التاريخ- أقل الكلف الممكنة أمام كلفة الانهيار الكامل.
وبعد خمسة عشر عامًا على يناير، لا يليق بنا أن نظل أسرى الانفعال أو أسرى التبرير، بل أن نستلهم العظة والعبرة، وأن ندرك أن الأوطان لا تُدار بالعواطف وحدها، ولا تُبنى بالهدم، ولا تُصان بفتح أبوابها لكل صيحة مجهولة المصدر. فالحرية التى لا تحمى الدولة تتحول سريعًا إلى فوضي، والاستقرار الذى لا يسنده وعى يتحول إلى جمود، والتوازن بينهما هو التحدى الأكبر لأى أمة تريد أن تعيش لا أن تنجو فقط.
ولعل النتيجة الأهم التى ينبغى أن نخرج بها اليوم، هى أن الحفاظ على الأوطان لا يكون بالصمت عن الخطأ، ولا بالانسياق خلف كل دعوة احتجاج، بل بامتلاك القدرة على التمييز، وعلى السؤال قبل الهتاف، وعلى التفكير قبل الانفعال، وعلى إدراك أن الجبهة الداخلية حين تُضرب، لا ينتصر أحد، حتى أولئك الذين ظنوا أنهم أشعلوا النار ليتدفأوا بها، فإذا بها تحرق الجميع.
ذلك هو الدرس الذى لا يجوز أن ننساه، وتلك هى المعركة الحقيقية التى ينبغى أن نخوضها اليوم: معركة الوعي، قبل أن تُفرض علينا معارك أخرى لا نملك فيها خيارًا ولا قرارًا.
وبقى السؤال أخيراً: هل كان يمكن تجنب أحداث أو مؤامرة يناير..؟!









