«الجماعة» تبرر قتل الخصوم.. وتقضى على أى مرجعية وطنية.. ولا تستمع إلا لأوامر مرشد الإرهابية
ليس أخطر على الإنسان من تلك اللحظة التي يُطفئ فيها بيده المصباح الذى كان يهديه الطريق، ولا أشنع من الساعة التى يقتل فيها القاضى الساكن فى صدره، فيقف أمام العالم بلا ميزانٍ ولا شهود عدول، بعد أن اختار العمى طريقًا ، والخيانة عقيدة
هناك، فى تلك العتمة، لا يعود الشرُّ استثناءً طارئًا ولا انحرافًا عابرًا، بل يصير نظامًا كاملًا للحياة، يُدار بجماعة سرية، ويُبرَّر بلغة، ويُنفَّذ بضميرٍ مُصادَر ، ويُسوَّغ ببلاغةٍ دينية، ويُزخرف بخطابٍ تنظيميٍّ محكم، حتى يغدو القتلُ «واجبًا»، والخيانةُ «طاعة»، ويُستبدَل نورُ البصيرة بعمى القلب، وتُستبدَل سلامةُ الروح بفساد الفكرة، حين تُسمِّم “رسائلُ البنّا” المعنى، وتُحوِّل الهداية إلى أداة، والدين إلى خطابٍ تنظيميٍّ خبيث . . على هذا المفترق المظلم وقف الفكر الإنسانى طويلًا يسائل نفسه:
كيف يقتل الإنسان ضميره بيده؟
وكيف يُقنع قلبه بأن ما يفعله ليس شرًّا، بل «تكليف»؟
كيف يتحوّل الجُرم إلى فضيلة، والعدوان إلى رسالة، والانتهاك إلى عبادة؟
في عمق هذا السؤال، لا يطلّ اسمُ فيلسوفٍ بوصفه شاهدًا تاريخيًا فحسب، بل بوصفه ميزانًا أخلاقيًا: إيمانويل كانط (1724–1804)، الرجل الذي رأى في الضمير «محكمةً داخلية» لا سلطان عليها إلا للحق، ورأى في الإنسان “غايةً في ذاته لا وسيلة”، فلا يُستعمل ولا يُستباح ولا يُختزل في آلةٍ تنظيمية سرية عابرة للحدود، بل يبقى كائنًا أخلاقيًا حرًّا، لا يُفَوَّض ضميره ولا يُؤجَّر شرفه.
غير أنّ هذا الميزان الصارم، الذي أراده كانط سياجًا يحمي الإنسان من أن يتحوّل إلى أداة، سيصطدم في تجربتنا العربية بآلةٍ أشدّ قسوة من الحديد وأمكر من السلاح: آلة جماعةِ إرهابية أسسها مدرس الخط حسن البنّا.
آلةٌ لا ترى في الإنسان إلا مادةً خامًا لمشروعها، ولاتعترف بضميرٍ إلا بقدر ما يخدِم “مصلحة الدعوة”، ولا تُبقي من الأخلاق إلا ما يُشرعن الطاعة في سوقٍ تُباع فيه النفوس وتُشترى الإرادات، ولا تحتفظ من الدين إلا بما يصلح ستارًا لشرعنة تنظيمٍ يُعيد تشكيل البشر على مقاسه، لا على مقاس الإنسان!
هنا يبدأ القتل الناعم للضمير:
من ميزانٍ يُحرِّر الإنسان إلى ميزانٍ يُصادِره، ومن ضميرٍ يُحاكم الفعل إلى تنظيمٍ يُفوِّض الجريمة، ومن أخلاقٍ تُعلي قيمة الإنسان إلى لغةٍ تُشرعن سحقه باسم «أستاذية العالم»
حين يُستبدل الضمير بمصلحة الدعوة
« وَزِنُوا الأمورَ بميزانِ الدعوة، لا بميزانِ الأشخاص، ولاتعرفوا الحقَّ بالرجال»
(حسن البنّا-رسالة التعاليم)
بهذه الجملة تبدأ أولى الطعنات في قلب الضمير، بهذه الجملة لا يُفتَتَح نصٌّ تنظيمي، بل يُفتَتَح قبرُ الضمير.
فالمطلوب هنا ليس أن يُقاس الفعل بالعدل، ولا أن يُوزَن الخطأ بالحق، بل أن تُسلَّم المقاييس كلّها إلى «الدعوة» كما يراها المرشد، لا كما تُمليها البصيرة.
هنا يُنزَع الميزان من صدر الإنسان، ويُعلَّق في مكتب الإرشاد، يُجرَّد الفرد من حقّه في أن يقول: هذا باطل، ويُدرَّب على أن يسأل فقط: هل رضي المرشد؟
ومن هذه اللحظة، لا يعود الضمير سيّدًا، بل تابعًا.
ولا يعود الإنسان مسئولًا عن فعله، بل مُعفى من المسئولية باسم الطاعة العمياء.
إنها أخطر لحظة في صناعة الإنسان التنظيمي: حين يتحوّل السؤال الأخلاقي إلى سؤال إداري، وتتحوّل الحقيقة إلى قرار، ويصير الخطأ صوابًا إن أقرّه المرشد، والصواب خطأً إن عطّل «مصلحة الدعوة الإخوانية»
هنا يُغتال الضمير رسميًا، يُسلَّم مفاتيحه طوعًا، ويُستبدَل القاضي الداخلي بسلطة خارجية إخوانية، فتُشرعن الجريمة، وتُؤثَّم الرحمة، وتُمسَخ الأخلاق إلى تعليمات، ومن هذه اللحظة بالضبط، يصبح الإنسان قابلًا لكل شيء – بميزان الدعوة -لأن الميزان لم يعد ضميره.
2-كيف تُصنَع الجريمة بأركان بيعة المرشد
«أركانُ البيعة عشرة: الفهم، ثم الإخلاص، ثم العمل، ثم الجهاد، ثم التضحية، ثم الطاعة، ثم الثبات، ثم التجرد، ثم الأخوة، ثم الثقة»
«حسن البنّا– رسالة التعاليم»
بعد أن أُودِع الميزانُ في يد المرشد، لم يبقَ إلا أن تُودَع إرادةُ الشبل الإخواني في قبضته.
فالجماعة التي نزعت من الإنسان حقَّه في أن يزن بالضمير، كان لا بدّ لها — من باب أولى — أن تنزع منه حقَّه في أن يختار.
هنا لا تعود الطاعة العمياء خُلُقًا تنظيميًا، بل تتحوّل إلى عبوديةٍ شبه كاملة؛ لا انضباطًا يحفظ الجماعة، بل مصادرةً تُفرِّغ الإنسان من ذاته، وتُعيد صياغته بوصفه أداةً صامتة في مشروعٍ لا يُرى فيه إلا وقودًا.
فكلُّ ركنٍ من أركان البيعة ليس درجةَ سموٍّ كما يبدو في الواجهة، بل مرحلةً محسوبة في تفكيك الإنسان من الداخل:
«الفهم» كما يريده مدرس الخط حسن البنّا وحده ليُعاد تشكيل العقل، و«الإخلاص» ليُغلق باب الشك، و«العمل» بأوامر تنظيمية صارمة ليُلغى السؤال، و»الجهاد» ليُسلَّح المعنى، و»التضحية» ليُشرعن الألم القادم، ثم تأتي «الطاعة» — لا بوصفها فضيلة —بل بوصفها اللحظة التي يُسلِّم فيها الإنسان مفاتيح نفسه كاملة.
وعندما تكتمل هذه السلسلة، لا يعود الفرد قادرًا على أن يقول: هذا باطل، بل ينتظر فقط أن يُقال له: هذا مطلوب منك لصالح التنظيم ووفق ميزانه!
وهكذا تُبنى «الدولة داخل الدولة»:
لا بقوة القانون، بل بقهر الضمير.
لا بشرعية المجتمع، بل بشرعية الطاعة العمياء.
عندها، يصبح الإنسان صالحًا لتنفيذ كل جريمة، وكل خيانة لوطنه، لأن ميزانه لم يعد فيه، وإرادته لم تعد له.
مصادرة الضمير
« ينبغي أن تتخلّى عن صلتك بأية هيئة أو جماعة لا تمتُّ إلى الإخوان بصلة، إذا رأى المرشد ذلك أنفع للدعوة، وأن تجعل دعوتك هي شغلك الشاغل، وأن تتصل بالإخوان وحدهم، وأن تقاطع ما سواهم»
( حسن البنّا- رسالة التعاليم)
بهذه الجملة لا يُعاد ترتيب موقفٍ تنظيمي، بل يُعاد تشكيل الإنسان نفسه.
فالمرشد هنا لا يطلب طاعةً إجرائية، بل يطالبك بأن تُسقِط كل مرجعية خارج الجماعة: وطنك، أسرتك، تاريخك، ضميرك، وأن تجعل منها «هوامش» قابلة للحذف متى تعارضت مع «مصلحة الدعوة» !!
هنا لا يعود السؤال: هل هذا عدل؟ بل: هل هذا أنفع للتنظيم؟ ولا يعود الإنسان كائنًا أخلاقيًا حرًّا، بل يتحوّل إلى وظيفةٍ تنظيمية قابلة للاستبدال، تُقاس قيمتها بمدى نفعها، وتُلغى كرامتها متى انتهت صلاحيتها بلا سؤال ولا شفقة ولا حساب.
إنها لحظة الإخضاع الكامل: حين تُنزَع السيادة من القلب، ويُعلَّق مصير الخير والشر بقرار المرشد، فتُصبح القطيعة فضيلة، والخيانة طاعة، والجريمة التزامًا تنظيميًا.
ومن هذه اللحظة، يُصادَر الضمير رسميًا، ويُعاد تعريف الحق والباطل بأمرٍ إداري إخواني، فتُعاد كتابة الخير والشر بقرارٍ تنظيمي، وتُبرَّر كل كارثةٍ بوصفها طاعة، ويُمنَح الشرُّ صكَّ الغفران ما دام قد خرج من بوابة «التكليف “، وهكذا يتحوّل الإنسان من غايةٍ إلى وسيلة، ومن روحٍ حرة إلى أداة في يد التنظيم، وتبدأ الجريمة — لا عند فوهة السلاح — بل عند الكلمة التي اغتالت الضمير، وحين يسقط الضمير، يصبح الرصاص تفصيلاً لاحقًا
تجريم الحياد
« لا مكان فى دعوتنا للحياد، فإمّا معنا وإمّا علينا، وإمّا إخوانًا صادقين، وإمّا خصومًا أشداء»
(حسن البنّا- رسالة المؤتمر الخامس)
بهذه الجملة لمدرس الخط حسن البنا -«لا مكان في دعوتنا للحياد.. فإمّا معنا وإمّا علينا» – يُسدَل الستار الأخير على المحكمة الداخلية، فتُغتالُ سلطةُ القاضي الذي كان يسكن الصدر، ويُكسَر ميزانُ العدل، ولا يبقى إلا صوت المرشد وهو يُصدر الحكم باسم التنظيم !!
فبعد أن سُلِّم الميزان للمرشد، وصودرت الإرادة بالطاعة، وصودر الضمير بالقطيعة، يأتي تجريم الحياد ليقضي على آخر مساحةٍ للحرية الأخلاقية.
لم يعد السؤال فضيلة، ولا الشك حقًّا، ولا النقد واجبًا.
من لا ينخرط في الجماعة يُدان أخلاقيًا قبل أن يُدان سياسيًا، ويُحاكم في النوايا قبل أن يُحاسَب في الأفعال.
هنا تُبنى العزلة النفسية الكبرى: عالمٌ ثنائيٌّ مغلق، خيرٌ مطلق تحتكره الجماعة، وشرٌّ مطلق يُسقِطونه على المجتمع.
وفي هذا المناخ، لا يعود الآخر إنسانًا، بل عقبة، ولا يعود القتل جريمة، بل ضرورة، ولا يعود الخراب انحرافًا، بل واجبًا !!
وهكذا يكتمل قتل الضمير: من ميزانٍ نُزع، إلى إرادةٍ صودرت، إلى حيادٍ جُرِّم، فتغدو الجريمة نتيجةً منطقية لا استثناءً طارئًا، ويغدو العنف — بكل أشكاله — اللغةَ الطبيعية للتنظيم، لأن الإنسان أُسقِط أولًا من ميزان الحساب، فلم يعد غايةً تُصان، بل وسيلةً تُستهلك، ساقطًا من الميزان، محذوفًا من الضمير.
خطاب الابتلاء
«ستُبتلون، وتُمتحنون، وتُؤذَون، ولكنَّ اللهَ مع الصابرين، فاصبروا وصابروا ورابطوا، واعلموا أنَّ النصرَ مع الصبر، وأنَّ الفرجَ مع الكرب، وأنَّ مع العسرِ يُسرًا ».
(حسن البنّا-رسالة التعاليم)
لم يكن خطاب «الابتلاء» عند مدرس الخط حسن البنّا عزاءً روحيًا بريئًا، بل كان درعًا نفسيًا يسبَق به الفعلُ الإجرامي، وتُحصَّن به أشبالُ الجماعة قبل أن يصطدموا بالقانون.
فالعقوبة هنا لا تُقدَّم بوصفها نتيجةً طبيعية لمسارٍ عنيفٍ خائن، ولا يُفسَّر السجن على أنه جزاءٌ عادلٌ لجريمة، بل يُعاد تعريفه سلفًا بوصفه «اصطفاءً»، ويُعاد تأويله بوصفه «امتحانًا»، ويُلبَس ثوب «التمحيص الإلهي».
بهذه الحيلة اللغوية المحكمة، يُنتزع من القانون معناه الأخلاقي، ويُجرَّد الجزاء من عدالته، ويُحوَّل المجرم إلى «مبتلى»، والضحية إلى «تفصيلٍ جانبي»، والجريمة إلى «طريقٍ إلى الجنة»!
هنا لا يُدرَّب الشباب الإخواني على أن يسأل نفسه: هل ما فعلته باطل، وما نلته جزاءٌ عادل؟ بل يُعاد تشكيل وعيه ليقول مطمئنًا: هذا ابتلاء.. لأنني على الحق!، وهكذا يُمنَع من أن يرى في العقوبة ميزانًا، ويُلقَّن أن يراها «اصطفاءً»، ويُحرَم من لحظة الندم الإنساني، ويُمنَح بدلًا منها شعورًا بالاستعلاء، وهكذا تُغلق آخر نافذة يمكن أن يدخل منها الندم الطبيعي اللازم لتصويب المواقف: فما دام السجن «اختبارًا إلهيًا»، وما دام العقاب «علامة صدق»، فلا مكان للمراجعة، ولا معنى للتوبة، ولا صوت للقاضي الداخلي. ومن هنا تتحوّل العقوبة القانونية — التي هي في حقيقتها نطقُ العدل باسم المجتمع، وحكمُ الضمير العام على الجريمة —إلى وقودٍ إضافي لآلة التنظيم، ويُعاد تدوير الجريمة باسم الصبر، ويُحصَّن القاتل نفسيًا ضد فكرة أنه قاتل، لأنه لم يعد يرى في سجنه جزاءً، بل شهادة تزكية واستعلاء.
6 – صناعة الخصومة الشاملة
حين يُعاد تعريف المجتمع بوصفه عدوًا
« سنتوجه بدعوتنا إلى المسئولين، فإن أجابوا آزرناهم، وإن تلكأوا أمهلناهم، فإن لجأوا إلى المراوغة والدوران فنحن حربٌ عليهم، ولا هوادة بيننا وبينهم »
(حسن البنّا – من كتاباته في مجلة النذير، 1939 )
هنا ينتقل قتلُ الضمير من الداخل ليُستَخدم ضدّ الآخر؛ فبعد أن فُكِّك الإنسان، وجُرِّد من ميزانه، وسُلِّمت إرادته للمرشد، لا يبقى إلا أن يُعاد تشكيل العالم من حوله على مقاس التنظيم.
المجتمع لم يعد وطنًا يُحتضَن، ولا الدولة عقدًا اجتماعيًا يُصان، ولا القانون تعبيرًا عن العدالة، بل يتحوّل — في لغة مدرس الخط — إلى ساحة خصوم، وإلى ميدان حرب مفتوح، وإلى عائقٍ يجب كسره لا شريكٍ يجب إدارة الاختلاف معه، ولا جسدٍ وطنيٍّ يُعالَج، بل جسدٍ يجب بتره ليُشفى التنظيم!
بهذه اللغة، لا يعود الخصم إنسانًا له حقّ الحياة، بل يصبح «عقبةً» أمام المشروع الخبيث، ولا يعود الخلاف سياسيًا أو فكريًا يُدار بالعقل والحجة، بل يتحوّل إلى صدامٍ وجوديٍّ يُحسم بالسيف والتنفيذ: (نحن / هم) والحقّ معنا وحدنا، وما عداه باطلٌ يستحق الإزالة.
وهنا تُستكمَل دائرة قتل الضمير: فمن كان بالأمس أخًا في الوطن، يصير اليوم هدفًا مشروعًا، ومن كان مواطنًا، يُعاد تعريفه كعدوٍّ يجب تحييده، ومن كان إنسانًا، يُختزل إلى «مانعٍ من التمكين وأستاذية العالم» يجب سحقه.
وعندما يُعاد تشكيل العالم بهذا الشكل، يصبح القتل ممكنًا دون ارتعاش، وخيانة الأوطان ممكنة دون وخز، وتفجير المجتمع ممكنًا دون ندم، لأن الضحية لم تعد إنسانًا، بل «حاجزًا» أمام استاذية العالم، ومادّةً خامًا في معمل العنف، وتفصيلًا جانبيًا في نشرة «بريد» الإخوان !!
وهكذا تكتمل صناعة آلة الإنسان بلا ضمير: ميزانه مسروق، إرادته مُصادَرة، حقيقته مُحتكَرة، وعالمه مُعاد تعريفه كعدوٍّ دائم، ليصير القتل « وظيفة «، والخيانة «طاعة «، والخراب « رسالة «، والفوضى « أداة التنفيذ»، ومخططات التقسيم «الخاتمة الاستعمارية الكبرى» !!
وهنا، لا تعكس الصورة بشرٌ يخطئون فيراجعون، بل أدواتٌ تُدار فتُستنزف، ولا يعود الوطنٌ رايةً يُصان، بل خريطةٌ تُكسَّر لتُعاد هندستها، ولا يبقى من الإنسان إلا ظلٌّ مطيع، يُنفِّذ الخراب باسم التنظيم، ويوقّع على تفكيك وطنه باسم الله، بعد أن قُتِل الضمير، وسُرِق الميزان، وصار الشرُّ «واجبًا » !!
في نهاية هذا المسار النفسي الطويل الذي نسجته رسائل مدرس الخط حسن البنّا، لا يبقى من الشبل الإخواني إنسانٌ كامل الملامح، بل كيانٌ مُفرَّغ من ضميره، مُعادُ تركيبه على مقاس التنظيم، يتحرّك بلا ميزان، ويطيع بلا سؤال، ويُنفّذ بلا ارتعاش، بعد أن أُطفئت في صدره المحكمة الداخلية، وسُحبت إرادته من جذورها، حتى غدا ظلًّا مطيعًا حيث كان ينبغي أن يكون إنسانًا حرًّا كاملاً!
يَزِن الأشياء بميزان التنظيم لا بميزان الحق، ويفكّر بعقل الجماعة لا بعقله، ويُبرّر الشر باسم المرشد لا باسم الأخلاق.
هنا تبلغ المأساة ذروتها: مشروعٌ يرفع راية الهداية، فيصنع إنسانًا بلا ضمير، وتنظيمٌ يتحدّث عن الفضيلة، فيشيّد أخطر آلة لاغتيال الأخلاق في العصر الحديث.
لقد أُزيح القاضي الساكن في الصدر، وحلّ محلّه مرشدٌ يأمر، وأُطيح بالميزان العادل، واستُبدل بميزانٍ يتبدّل بتغيّر المصلحة التنظيمية، حتى صار الشرّ واجبًا، والخيانة طاعة، والخراب رسالة، والفوضى وسيلة، ومخططات التقسيم غايةً تُستكمل بها دورة التمكين.
وحين حذّر إيمانويل كانط من مصادرة « المحكمة الداخلية للإنسان»، لم يكن يكتب تأمّلًا ذهنيًا معزولًا، بل كان يُنذر بهذا المصير بالذات: أن يُسلِّم الإنسان ضميره لسلطةٍ خارجية، فيغدو القتل ممكنًا بلا ارتعاش، والخيانة ممكنة بلا وخز، والشرّ ممكنًا بلا مقاومة.
وتجربة مدرس الخط حسن البنّا ليست إلا البرهان التاريخي الأقسى على صدق هذا التحذير: حين يُختطف الضمير باسم التنظيم، تتحوّل الجماعة إلى مصنعٍ للخراب، ويتحوّل الإنسان إلى أداة، ويتحوّل الوطن إلى ساحة استنزاف دائم.
ومن هنا، فإن معركة الدولة مع الجماعات المؤدلجة ليست معركة أمنٍ فقط، بل معركة أخلاق في جوهرها: معركة لاستعادة القاضي الساكن في الصدر، وإعادة الميزان إلى موضعه الطبيعي، وإرجاع الإنسان إلى مكانه الصحيح — غايةً لا وسيلة، مواطنًا لا « ميلشياويا» في تنظيم، صاحب ضمير لا تابع مرشد.
وهنا فقط — لا قبل ذلك — ينتصر منطق الدولة.









