فى الوقت الذى تسعى فيه دول العالم جاهدة لإيجاد صيغة توازن بين الحفاظ على الهوية الوطنية ومتطلبات العصر الرقمى المتسارع، قدمت القاهرة فى مطلع عام 2026 نموذجاً فريداً يربط بين «إصلاح الفكر» و«تنمية الوطن». فخلال أعمال المؤتمر الدولى السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، رسم الرئيس عبدالفتاح السيسى خارطة طريق جديدة، مفادها أن تجديد الخطاب الدينى ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة حتمية لبناء «رأس المال البشري» القادر على مواجهة تحديات القرن الحادى والعشرين.
لم يكن حديث الرئيس السيسى فى المؤتمر مجرد دعوة نظرية للاعتدال، بل كان إعلاناً عن رؤية مؤسسية شاملة. فقد أكد الرئيس أن بناء الأمم يبدأ أولاً ببناء «الإنسان المستنير»، وهو ما يتطلب خطاباً دينياً حياً لا ينفصل عن واقع الحياة وتطورات العصر. هذه الرؤية تعيد تعريف دور المؤسسة الدينية من مجرد الوعظ إلى المساهمة الفعَّالة فى الاستقرار المجتمعى والتنمية الوطنية الشاملة.
إن تركيز القيادة المصرية على «اختيار وتأهيل الأئمة» وتحويل المساجد إلى مراكز تعليمية وتنموية متكاملة، يعكس إدراكاً عميقاً بأن محاربة الفكر المتطرف لا تتم بالأدوات الأمنية فحسب، بل من خلال تقديم بديل معرفى يتسم بالوعى والشمولية، وقادر على غرس قيم العمل والإتقان كجزء أصيل من العبادة.
فى ظل التطور الهائل فى تقنيات الذكاء الاصطناعى والإعلام الرقمي، جاءت كلمات الرئيس لتشدد على ضرورة استثمار هذه الأدوات لتعزيز التواصل الإسلامى المعاصر. لقد وصف الرئيس المؤتمر بأنه «جسر يربط القيم الإسلامية الراسخة بآفاق المستقبل الرقمي»، محذراً من ترك الفضاء الإلكترونى نهباً لتيارات التطرف التى تسعى لاختطاف الدين وتحويله إلى ساحة للصراع والدمار.
هذا التوجه نحو «الرقمنة الدعوية» يهدف إلى حماية الأجيال القادمة من الانزلاق نحو التشدد من جهة، ونحو الإلحاد والنفور من الدين بسبب الخطاب المتزمت من جهة أخري.
لم تغب المكانة التاريخية لمصر عن مشهد المؤتمر؛ فقد أكد الرئيس السيسى على الدور الريادى لمصر وللأزهر الشريف فى قيادة قاطرة الاعتدال فى العالمين العربى والإسلامي. هذا الدور يتجاوز الحدود الجغرافية ليقدم للعالم نموذجاً للإسلام الوسطى الذى يقدس حرية المعتقد، ويحمى أمن واستقرار الأوطان، ويحفز على النمو والازدهار.
إن الرسالة التى وجهتها القاهرة للعالم من خلال هذا المؤتمر واضحة وصريحة وهى ان الاستقرار المجتمعى هو الأرضية الصلبة التى تقام عليها مشروعات التنمية. وعندما يتحول الخطاب الدينى إلى قوة دافعة للبناء، وحصن منيع ضد الكراهية، فإننا نكون أمام «ثورة تصحيحية» تضمن بقاء الدين قوة حيوية تدعم حقوق الإنسان وتدفع عجلة التقدم.









