تتجه أنظار العالم هذه الأيام إلى قمم جبال الألب السويسرية، حيث المدينة الصغيرة الهادئة اسمًا، الثقيلة وزنًا وتأثيرًا: دافوس. هناك، وفى نسخته السادسة والخمسين، ينعقد المنتدى الاقتصادى العالمي، لكن هذه الدورة لا تشبه سابقاتها، لا فى السياق، ولا فى المزاج، ولا فى الأسئلة المطروحة، ولا حتى فى طبيعة اللاعبين.
>>>
العالم الذى يجتمع اليوم فى دافوس ليس هو العالم الذى عرفناه خلال العقود الماضية. تغيّرت قواعد اللعبة، وتبدلت العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وبين السياسة والقانون الدولى، بل وبين القانون الدولى نفسه ومن يملك القوة والنفوذ والهيمنة، لم يعد الاقتصاد محركًا صامتًا للسياسة، ولا السياسة إطارًا منظمًا للاقتصاد، بل أصبح الاثنان فى صدام مفتوح، تحكمه المصالح العارية أكثر مما تحكمه القيم أو القواعد.
>>>
فى دافوس 2026، بدا المشهد أقرب إلى لجنة امتحان عالمية قاسية:
ورقة أسئلة إجبارية، معقدة، متشابكة…
لكن بلا إجابات واضحة.
تضخم عالمي، ديون متراكمة، حروب مفتوحة ومؤجلة، ذكاء اصطناعى يهدد الوظائف، وتآكل فى الثقة بين الشعوب والنخب. أسئلة يعرف الجميع خطورتها، لكن لا أحد يملك شجاعة الاعتراف بعجزه عن تقديم حلول حقيقية.
>>>
داخل قاعات المنتدي، حضر رجال المال والأعمال ببدلات أنيقة وأقنعة من الغطرسة المليارية. حديث عن النمو، وعن الابتكار، وعن الفرص، لكنه حديث معزول فى كثير من الأحيان عن واقع ملايين البشر الذين يدفعون ثمن سياسات لم يشاركوا فى صنعها. لغة الأرقام طغت، بينما غابت لغة الإنسان.
>>>
وخارج القاعات، وعلى هامش المدينة، ارتفعت أصوات أخري. غضب صريح، شعارات حادة، ولافتات تتهم النظام الاقتصادى العالمى بالانحياز للنخب وتكريس اللامساواة. مشهد يتكرر كل عام، لكنه هذه المرة بدا أكثر حدّة، وأكثر تعبيرًا عن فجوة متسعة بين من يملكون القرار، ومن يتحملون نتائجه.
>>>
بين الداخل والخارج، عاد رجال السياسة إلى الواجهة، فى محاولة لاحتواء المشهد، وإعادة ضبط الإيقاع، وتقديم شيء من الحكمة وسط هذا الاضطراب. لكن الحكمة لم تكن الصوت الأعلى طويلاً.
>>>
فمع عودة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى دافوس، تغيرت النبرة. لم يكن خطاب تهدئة، ولا دعوة إلى شراكة متعددة الأطراف، بل رسالة مباشرة:
القوة أولاً.. وأمريكا هى القوة.
لا اعتراضات، لا قيود، ولا اعتراف فعلى بقواعد دولية إذا تعارضت مع المصلحة الأمريكية كما يراها ترامب. عند هذه النقطة، تبخرت كثير من الثوابت الكلاسيكية التى قام عليها النظام الدولى بعد الحرب العالمية الثانية، ووجد العالم نفسه أمام خيارات صعبة، جميعها مرّ.
>>>
فى هذا المناخ المشحون، لم يكن الصوت العالى وحده حاضرًا. تحرك أيضًا بعض الحكماء، أولئك الذين يدركون أن الصدام المفتوح بين السياسة والاقتصاد، أو بين أمريكا وبقية العالم، لن يقود إلا إلى مزيد من الفوضي، محاولات هادئة، غير صاخبة، لإعادة التوازن، والبحث عن مساحات مشتركة، بعيدًا عن الاستعراض والخطابات الشعبوية.
>>>
فى هذا السياق، جاءت مشاركة مصر لافتة، بحضور الرئيس عبدالفتاح السيسى، ليس كطرف فى صراع، ولا كمجرد باحث عن مكاسب آنية، بل كصاحب رؤية تتجاوز المحلى والإقليمى إلى العالمي. رؤية تقوم على إصلاح اقتصادى مرتبط بالاستقرار، وعلى مبادئ إنسانية تحترم التعايش، وعلى قناعة بأن التنمية الحقيقية لا تنفصل عن العدالة، ولا عن بناء الإنسان.
>>>
الحضور المصرى فى دافوس لم يكن صاخبًا، لكنه كان واضح الرسالة:
العالم لا يحتاج مزيدًا من الغطرسة،
ولا مزيدًا من الغضب،
بل مزيدًا من الحكمة.
>>>
وهنا ربما تكمن خلاصة دافوس 2026:
منتدى يعكس حالة عالمية مضطربة،
تتصارع فيها القوة مع القيم،
والثروة مع العدالة،
والغضب مع الحكمة..
لكن الحكمة، رغم قلتها، تظل الأمل الأخير فى عالم يقف على حافة اختيارات صعبة.









