المِهَن وسائل لتحقيق نفع الناس ومكافحة الفقر
انطلقت أمس فعاليات مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية فى دورته السادسة والثلاثين، برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسى ، وتحت عنوانه: «المهن فى الإسلام: أخلاقياتها وأثرها، ومستقبلها فى عصر الذكاء الاصطناعي»، بحضور 180 شخصية علمية وفكرية، من أكثر من خمسين دولة.
أكد د. أسامة الأزهري، وزير الأوقاف أهمية المهن والحرف فى الإسلام، مشيرًا إلى أنها كانت جزءًا لا يتجزأ من هدى النبى محمد «صلى الله عليه وسلم»، ومؤسسة للعمران الإنسانى وبناء الحضارات، مشدّدًا على دورها فى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز قيم الإتقان والأمانة والإحسان فى العمل، مشيرا إلى أن المؤتمر يأتى فى سياق استشراف المستقبل المهنى فى عصر الذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على القيم والأخلاق الإسلامية، مؤكدًا أن المهن ليست مجرد وسائل للكسب، بل رسالة حضارية لتحقيق نفع الناس ومكافحة الفقر وتعزيز الرخاء، مبينا أن المؤتمر يهدف إلى توثيق المهن التى وردت فى السيرة النبوية ومصادر التاريخ الإسلامى، ودراسة أدوارها فى بناء الإنسان والمجتمع وصناعة الحضارة، وإبراز القيم الأخلاقية المرتبطة بالمهن فى التراث الإسلامى، مثل الإحسان والإتقان والأمانة، وتحليل أثرها فى النهضة العلمية والصناعية للمسلمين وحصر إبداعات المسلمين التاريخية فى الحـرف والمهن والصناعات، وبيان كيف تحولـت هذه الإبداعات إلى روافـد للمعرفة الإنسانية العالمية، كما يهدف إلى مدارسة المقاربات الحضارية المختلفة للمهن فى ثقافات الأمم الأخرى: بهدف استخلاص الممارسات الناجحة، والـقيم المشتركة التى يمكن توطينها فى البيئة المحلية المعاصرة، واستشراف التحولات المستقبلية للمهن فى ظل الثورة الصناعية الرابعة وتقنيات الذكاء الاصطناعى، وتحليل فرصها وتحدياتها.
فيما أكد د. محمد الضوينى، وكيل الأزهر الشريف أن المؤتمر يهدف إلى تعزيز الريادة الوطنية للدولة المصرية فى توظيف التقنيات الحديثة وتوجيهها لخدمة الوطن، وبناء الإنسان القادر على الإبداع والتطوير، والإسهام الإيجابى فى نهضة مجتمعه، بما يحقق رؤية مصر 2030، موضحا أن الإسلام يقوم على بناء متوازن، ففى الوقت الذى يأمر فيه بعمارة المساجد بالصلاة والعبادة، ويأمر كذلك بعمارة الأرض وصناعة الحضارة بالحِرَف والمِهَن والصنائع، فهو فى الوقت ذاته يدعو فيه إلى عمارة القلوب بالإيمان، يصون النفس من آفات الكسل، ويحفظ كرامتها من ذلّ السؤال.
أضاف وكيل الأزهر أن الذكاء الاصطناعىيجب أن يظل أداة تخدم الإنسان لا تستبدله، ووسيلة تعين على الإتقان لا تغنى عن الضمير، وتساعد على الإنتاج دون أن تلغى القيم، محذرًا من أن أخطر التحديات لا يكمن فى تبنى التقنيات الحديثة، بل فى كيفية دمجها دمجًا أخلاقيًا يحفظ العدالة فى فرص العمل، ويصون حقوق العاملين، ويمنع تحوّل التقنية إلى أداة للإقصاء أو الاستغلال غير الأخلاقي، مبيّنا أن العقل الإنسانى، إذا كان قد استطاع أن يبدع عقلًا صناعيًا، فإنه ملزم بأن يزن ذلك بميزان الضمير والمسؤولية الشرعية والأخلاقية، مؤكدًا أن الرقابة الأخلاقية والقيمية تمثل جسر الأمان بين الإبداع العلمى والعمل المهني، وأن غياب هذه الرقابة قد يحوّل التقنية من وسيلة لخدمة الإنسان إلى أداة لإضعافه أو تجريده من إنسانيته، مؤكدًا أن مستقبل المهن فى ظل الذكاء الاصطناعى يتوقف على ترسيخ أن التقنية لا تغنى عن الأمانة، وأن العلم لا يغنى عن الخلق، ولا تكتمل المهنة إلا بجمال القيم ورقابة الضمير.
فيما أكد د. نظير محمد عياد، مفتى الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، أن المهنة أداة لعمارة الأرض وتحقيق الاستخلاف، وبناء إنسان قادر على التفاعل الإيجابى مع معطيات العصر دون تفريط فى القيم أو إخلال بالثوابت، مشددًا أن استشراف مستقبل المهن لا يمكن أن يكون بمعزل عن الأخلاق، ولا عن التشريع الراشد، ولا عن الضمير الإنسانى الحي، مؤكدًا أن تكامل هذه العناصر هو الضامن لصيانة المهن، وتحقيق التوازن فى مساراتها، وبناء مستقبل مهنى يليق بالإنسان ورسـالته فى هذا الوجود، موضحًا أن التطور التقني، رغم أهميته، لا يغنى عن بناء الإنسان، ولا يعوض غياب الكفاءة الأخلاقية، ولا يبرر تجاوز الضوابط القيمية؛ مبينا أن أعظم ما يملكه الإنسان فى سوق العمل المتغير هو إنسانيته ووعيه وقدرته على التمييز بين ما ينفع وما يضر؛ مضيفا أن إعداد الكوادر المهنية فى عصر الذكاء الاصطناعى يجب أن يقوم على الجمع بين التمكين المعرفى والتقني، والتأهيل الأخلاقى والسلوكي، حتى تظل المهن أداة للبناء والرُّقي، لا وسيلة للإضرار أو التهميش أو الإخلال بقيم العدالة والكرامة الإنسانية.









