تنشغل.. بل وتشتعل شاشات العالم وصحافته ووسائل الاتصال والتواصل الحديثة بعدة أشكال من الصراعات صراعات الأرقام وتحولات موازين القوى، ورغم كل هذه الحوارات وتلك الصراعات يظل هناك صوتٌ يفتش عن الإنسان خلف ركام الحروب، وعن الحقيقة وسط ضجيج التضليل.
وفى هذا التقرير الأسبوعى نغوص فى تفاصيل القضايا العالمية الراهنة، من أنين غزة الصامدة تحت وطأة دمارٍ لا يتوقف، إلى أروقة الأزهر الشريف حيث يرتفع صوت الحق مندّدًا بـ«فوضى القوة»، وصولًا إلى خارطة التطرف التى باتت تتخذ أشكالًا رقمية وجغرافية مقلقة، وانتهاءً بآمال وتحديات المجتمعات المسلمة فى الشرق والغرب.
والبداية عند القضية الفلسطينية ورغم ما يُروَّج له من هدنة، يكشف الواقع الميدانى فى قطاع غزة عن هشاشة المصطلحات السياسية أمام بشاعة الدمار الإنساني؛ إذ يتجاوز ما يجرى على الأرض مفهوم وقف إطلاق النار إلى واقعٍ من الإبادة المادية المستمرة، وقد وثّقت صور الأقمار الصناعية تدمير أكثر من 2500 مبنى بالكامل وتسوية أحياء كاملة بالأرض، وارتفعت حصيلة الضحايا منذ 7 من أكتوبر 2023 لتصل إلى 71,412 شهيدًا و171,314 جريحًا. والمثير للصدمة أنه حتى بعد دخول «الهدنة» المفترضة حيّز التنفيذ فى 10 أكتوبر الماضي، سُجّل استشهاد 442 شخصًا إضافيًا، ما يؤكد استمرار النزيف الإنساني.
وتتفاقم أزمة البقاء، حيث حذّرت وكالة «الأونروا» من أزمة مياه حادة تهدد حياة النازحين، فى ظل اعتماد السكان شبه الكامل على صهاريج المياه التى تنقلها الوكالة، واضطرار العائلات إلى ترشيد كل قطرة للبقاء على قيد الحياة.
كما برزت معالم «المرحلة الثانية» من خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، التى تهدف إلى إنشاء آلية مدنية لإدارة غزة عبر ما يسمى بـ«مجلس السلام»، برئاسة ترامب ومشاركة قادة دوليين، من بينهم رئيس الوزراء البريطانى «كير ستارمر»، فى مبادرة تُوصف بأنها تفتقر إلى التمثيل الفلسطينى الحقيقي، وتركّز على «نزع السلاح» مقابل إعادة الإعمار.
وفى تطور قانونى لافت، هدّد الأمين العام للأمم المتحدة، «أنطونيو جوتيريش»، بإحالة إسرائيل إلى المحاكم الدولية فى حال استمرار خرقها للقوانين الإنسانية، بينما تواصل دول مثل إسبانيا دعمها للحق الفلسطيني، مقابل تراجع ملحوظ فى مواقف بعض الدول اللاتينية، وعلى رأسها الأرجنتين.
ففى إسبانيا، شهد الموقف الرسمى تطورًا نوعيًا بإعلان رئيس الحكومة، «بيدرو سانشيز»، استعداد بلاده نشر قوات سلام فى فلسطين فور التوصل إلى اتفاق نهائي، معتبرًا أن الوضع فى غزة «لم يعد يُحتمل»
أما فى الأرجنتين، فقد قررت الحكومة وقف إجراءات نقل سفارتها إلى القدس المحتلة عقب أزمة دبلوماسية مع الكيان الصهيوني، على خلفية مشروع تنقيب نفطى قرب جزر فوكلاند، فى خطوة تعكس أولوية المصالح السيادية حتى لدى الحكومات الأكثر تقاربًا أيديولوجيًا مع الاحتلال.
وفى فرنسا، يتواصل الحراك التضامنى مع فلسطين، حيث شهدت مدينة «بيريجو» تجمعًا جديدًا أمام قصر العدل، رفضًا للانتهاكات الإسرائيلية ومحاولات خلط مكافحة معاداة السامية بتقييد حرية التعبير.
ونتحدث هذا الأسبوع عن الأزهر الشريف ودوره العالمى بوصفه مرجعية أخلاقية عالمية، حيث استقبل فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب مبعوث حقوق الإنسان الهولندي، فى لقاء حمل رسائل فكرية بالغة الأهمية، وأكد فضيلته أن العالم يعيش حالة من التخبط الأخلاقى والسياسي، واصفًا المشهد الدولى بـ»فوضى القوة» التى تطغى فيها شريعة الغاب على قوة القانون والعدل، وشدد الإمام الأكبر على ضرورة فك الارتباط المفتعل بين الأديان والإرهاب، مؤكدًا أن الإرهاب نتاج مباشر للظلم السياسي، والقمع الاقتصادي، والمعايير المزدوجة التى تنتهجها القوى الكبري، وليس وليد التعاليم الدينية، مشيرا إلى دور مرصد الأزهر فى تفكيك الأيديولوجيات المتطرفة، مع التركيز على حماية الشباب من الاستقطاب الرقمى الذى تمارسه التنظيمات الإرهابية عبر تقنيات الذكاء الاصطناعى والألعاب الإلكترونية.
يأتى هذا التصريح ضمن عشرات بل مئات التصاريح الأخرى لفضيلة الامام الأكبر الذى يؤكد فيها ان الاديان والشرائع السماوية كلها بريئة مما يحدث فى مختلف ارجاء العالم من ظلم وعدوان وحروب.
خارطة التطرف فى العالم
تؤكد التطورات الأمنية أن التطرف لم يعد ظاهرة معزولة، بل بات يتغذى على القمع السياسى والهشاشة الاقتصادية فى مناطق النزاع.
ففى السودان، دخل الصراع يومه الألف بين الجيش وميليشيا الدعم السريع، مُخَلفًا عشرات الآلاف من القتلى وأكثر من 11 مليون نازح، وسط تحذيرات أممية من نفاد المساعدات الغذائية خلال شهرين، مايهدد نصف السكان بالمجاعة.
وفى أفغانستان، يتصاعد نمط «العقاب الوقائي» فى ظل حكم طالبان، مع تسجيل حالات اعتقال تعسفى واحتجاز صحفيات، مثل نازيرا رشيدي، بالتوازى مع أزمة إنسانية خانقة تهدد 17 مليون أفغاني.
أما فى إيران، فقد شهد الأسبوع تصعيدًا فى تنفيذ أحكام الإعدام بحق معارضين سياسيين، مما يزيد من حالة الاحتقان الداخلي.
وفى باكستان، شهدت المناطق الحدودية هجمات استهدفت مدارس ورجال دين، فى ظل توتر متصاعد بين العاصمة إسلام آباد وحركة طالبان باكستان (TTP).
وفى إفريقيا، رغم النجاحات العسكرية ضد التنظيمات الإرهابية، يقابلها تمدد للصدمات النفسية واستهداف ممنهج للمدنيين، ولا سيما النساء والأطفال، ما ينذر بإعادة إنتاج العنف عبر أجيال جديدة. وتكشف المعطيات أن المقاربة الأمنية وحدها، رغم ضرورتها، تظل غير كافية دون دعم نفسى وتعليمى وتنموى يعالج الجذور العميقة للتطرف.
المسلمون، الإسلاموفوبيا، وخطاب الكراهية
الاندماج الإيجابى لمسلمى الغرب لم يعد مجرد شعار، بل واقع ملموس يفرض نفسه داخل مؤسسات الدولة ومراكز البحث والعلم.
ففى بريطانيا، شكّل حصول ساجدة شاه على وسام الإمبراطورية البريطانية (MBE) لعام 2026 محطة فارقة، ليس لشخصها فحسب، بل لما تمثله من نموذج للنجاح النسائى المسلم فى مجالات الاستراتيجية والعدالة الاجتماعية.
وفى المقابل، تشهد فرنسا حالة من التناقض؛ فبينما يُعد تطوير «مسجد حى موسون» مثالًا لاحترام الحقوق الدينية، تتكرر حوادث عنصرية صادمة، كحملات الإهانات ضد الطفل زيد فى أفينيون، وتدنيس دور العبادة، ما يكشف فجوة حادة فى التماسك الاجتماعي.
وفى إسبانيا، يخوض المسلمون معركة قانونية ضد حزب «فوكس» اليمينى المتطرف، الذى يسعى لربط الشعائر الدينية بالتهديدات الأمنية، فى توظيف سياسى فجّ للدين، فى مقابل اعتراف تاريخى وقانونى متجدد بجذور الوجود الإسلامى فى البلاد.
كما برزت تهديدات رقمية جديدة، عبر استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى إنتاج محتوى ينتهك الخصوصية وينشر الكراهية، ما يستدعى وضع ضوابط أخلاقية رقمية عالمية.
ختامًا..يؤكد المشهد العالمى أن التحديات التى تواجه المسلمين والعالم تتطلب رؤية شاملة تشمل حماية حقوق الأقليات المسلمة فى الغرب، وضرورة استعادة العدالة والأمن فى بؤر النزاع، فمواجهة التطرف لا تكون بالسلاح وحده، بل بتجفيف منابع الظلم، وصون الكرامة الإنسانية، وترسيخ الوعى باعتباره خط الدفاع الأول عن استقرار العالم.









