كتب : عاطف سيد الأهل
أثبتت توجهات الحكومة الإسرائيلية المتطرفة الحالية خلال العامين الماضيين أنه ليس لديها خطط مستقبلية سوى الاستمرار فى الحرب والتوسع فى ممارستها، والاستيلاء على الأرض، وتبنى سياسة الاغتيالات كعقيدة أمنية سياسية، وذلك على الرغم مما أصاب سمعتها واقتصادها وانتشار الكراهية بين شعوب العالم تجاه سلوكها، وتعرضها لأخطر موجة صدمات نفسية منذ تأسيسها، وقد انتهزت الفرصة للقضاء على مشروعات التسوية فى المنطقة أو إقامة دولة فلسطينية، وسعت للفصل بين القضية الفلسطينية من جانب وبين إقامة علاقات مع الدول العربية والإسلامية من جانب آخر عبر الاتفاقيات الابراهيمية، فضلاً عن القضاء على القدرات العسكرية والنووية الإيرانية، وتغيير موازين القوى فى المنطقة على أساس ألا يكون للميليشيات الثانوية فيها «حركة حماس – الجهاد الاسلامى – حزب الله..» القدرة على القيام بأى دور مؤثر أو مستقبلى فى هذه التغييرات. فقد أظهرت الحرب الوجه الحقيقى لإسرائيل كقوة تسعى إلى فرض هيمنتها وإعادة ترسيم المنطقة وفق الرؤية الصهيونية.
لم تعد إسرائيل تكتفى بمفهوم فرض القوة العسكرية وسياسات الردع فى المنطقة، وإنما تعدت ذلك إلى العمل على إعادة تفكيك الأوضاع فى المجال الإقليمى لجيرانها، وإعادة تركيبها وفقاً لمصالحها الأمنية والاقتصادية وذلك من خلال أطروحات تهجير الفلسطينيين، والتعاون مع الأقليات فى دول المنطقة لاشعال النعرات الانفصالية، وخلق مناطق عازلة بحجج أمنية، واحتلال المزيد من الأراضى تحت دعاوى توراتية.
يستحضر النظام الحالى فى إسرائيل أفكار العديد من الصهاينة الأوائل الأكثر تشدداً فى هيكلة السياسات العدوانية فى المنطقة، وفرض أطروحاتها التوسعية أمثال عوديد ينون – مستشار شارون – وكتاباته فى مجلة كيتوفيم (الاتجاهات) والتى كان يرى فيها أن فكرة القومية العربية كانت عبارة عن بيت من ورق محكوم عليها بالانهيار حيث إنها تتألف من أقليات وأغلبيات عرقية معادية لبعضها البعض والتى بمجرد تفككها لن تستطيع أن تتحدى إسرائيل، وأنه يجب على إسرائيل أن تهدف إلى تفتيت العالم العربى إلى فسيفساء من التجمعات العرقية والطائفية.. إلخ، ويشار فى هذا الصدد إلى مؤتمر الأقليات الذى عقد فى تل أبيب مؤخرا فى 27 أكتوبر 2025 والذى هدف إلى تعزيز الحوار والتعاون بين إسرائيل والأقليات فى المنطقة العربية، وإعادة تقديم نفسها من دولة احتلال إلى دولة راعية للأقليات وملاذ آمن لهم.
وزائيف جابوتنسكى صاحب أفكار الصهيونية التصحيحية والذى تصفه معظم الكتابات بأنه أخطر شخصية صهيونية فى التاريخ، وصاحب نظرية الأسوار الحديدية، وهو بمثابة المثل الأعلى والقدوة لبنيامين نتنياهو – حسب تصريحات نتنياهو نفسه – وورث أفكاره أيضا مناحم بيجن ونفتالى بينت، والذى تمثلت رؤيته فى أنه لا يرى لغة للتصالح مع العرب إلا بالسيف، ولا يبالى بأعداد القتلى من العرب، وأنه يجب زرع اليأس فى نفوس الفلسطينيين حتى يفقدوا الأمل فى طرد اليهود.
وغيرهم من أصحاب الفكر اليمينى المتطرف فى التاريخ الصهيونى والذين تتبنى رؤيتهم حكومة نتنياهو الحالية.
واستكمالا لموضوع النخبة العدائية المتمثلة فى الجيش الإسرائيلي، والذى يعتبره المجتمع الإسرائيلى بمثابة بوتقة الصهر للشعب الإسرائيلي، أى المكان الذى يتساوى فيه كافة طوائف الشعب على اختلاف ثقافته وتوجهاته وأصوله، والذى كان أيضا الملجأ للعديد من المهاجرين إلى إسرائيل للحصول على وضعية اجتماعية وامتيازات واسعة.
تشكلت معالم الجيش الاسرائيلى – طبقا للعديد من المراجع التى تناولتها، فضلا عن المتابعة الشخصية للموضوع – من وحدات نظامية ووحدات احتياط سنأتى على ذكرها باختصار، إلا أن أهم ما يجب الإشارة إليه هنا هو شعبة الاستخبارات العسكرية «أمان» والتى تعد أكبر الأجهزة الأمنية فى إسرائيل وأكثرها تكلفة لموازنة الدولة، على عكس ما يثار من دور الموساد الإسرائيلى فى هذا الصدد، حيث تعتبر أمان هى المحدد الأول للتقييمات الإستراتيجية للدولة ويعد تقريرها الأهم بين كافة الأجهزة الأمنية الأخرى، وفى حالة التعارض بين تقييمات الأجهزة الأمنية يتم الأخذ برؤية شعبة الاستخبارات العسكرية، علماً بأنها تعمل أيضا بالتنسيق مع أجهزة الأمن الأخرى، وتقدم تقاريرها المتعلقة بالحروب والأمن الوقائى والأعمال المناوئة ضد اليهود، ويتبعها مجموعة من الوحدات فى سلاح الجو والبحرية والجبهة الداخلية والقيادات الجغرافية فى مناطق الشمال والوسط والجنوب فضلاً عن الرقابة العسكرية والحرب النفسية والوحدة 8200 وتجنيد العملاء – وحدة 504 – ووحدة الأمن الميدانى 999، وقد أوضحت الحقائق التاريخية أن الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية هى من قامت بمعظم العمليات الاستخباراتية ضد مصر بدءا من ما يعرف بفضيحة لافون 1954 التى أدارها كل من وزير الدفاع بنحاس لافون ومدير المخابرات الحربية بنيامين جيبلي، وكذلك موضوع أشرف مروان الذى خدعتهم فيه المخابرات المصرية كان يديره الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وكان يتابع تشغيله إيلى زعيرا مدير المخابرات الحربية، ولكن هناك بعض الاستثناءات التى تولى فيها الموساد القيام بمهام، خاصة خلال الفترة التى سبقت حرب 1967 والتى تفيد أن الموساد برئاسة مائير عاميت قد قام بعمليات ساهمت فى الضربة الاستباقية الإسرائيلية على مصر «وهو موضوع له تفاصيله وملابساته».
ودون الدخول فى تفاصيل خريطة الجيش الإسرائيلى ووحداته المختلفة، يمكن الإشارة هنا إلى التشكيل العام مع الإشارة إلى أهم وحدات الجيش الإسرائيلى بعنصريه النظامى والاحتياطي:
رئاسة الأركان: هى أعلى هيئة فى الجيش الاسرائيلي، ويرأسها رئيس أركان برتبة فريق، والحالى هو ايال زامير، ويتبعه نائب رئيس أركان، وقادة القوات البحرية، والقوات الجوية والفضائية، وشعبة التخطيط، والأكاديميات العسكرية، والمحاكم العسكرية، وشعبة خدمة الحاسوب.
ويتفرع عن رئاسة الأركان كل من: قيادة الجبهة الداخلية، والاستخبارات الحربية، وإدارة اللوجيستيات والعلاج، وإدارة الموارد البشرية، وشعبة العمليات، والقوات البرية. وكل قيادة أو إدارة لها العديد من الفروع.
هذا بالإضافة إلى القيادات الجغرافية: قيادة المنطقة الجنوبية، وقيادة المنطقة الشمالية، وقيادة المنطقة الوسطي، والتى يرأس كل منها جنرال، وتتبعه العديد من الفروع أيضا.
وفيما يتعلق بأهم الوحدات العسكرية فى الجيش الإسرائيلى يمكن الإشارة إلي: سيريت ميتكال – سرية الاركان- أو «وحدة الكوماندوز البرية»، ووحدة شلداج «قوات الكوماندوز الجوية»، ووحدة شايطيت 13 «الكومندوز البحرية»، ووحدة ايجوز «النواه»، ووحدة ماجلان، ووحدة ريمون، ووحدة عوكس «الكلاب المدربة»، أما وحدة المستعربين «دوفيديفان» فهى تعرف بوحدة الاغتيالات، حيث تقوم بمداهمة الاحياء السكنية لاعتقال أو قتل النشطاء الفلسطينيين، ويتنكر أفرادها بارتداء ملابس فلسطينية، وهى أولى الوحدات الخاصة التى عملت فى غزة، شكلها مائير داجان «مدير الموساد اّنذاك» فى مارس 2001 بهدف التصفية الجسدية لهؤلاء النشطاء، ووحدة خاروف التى تعد من أقدم الوحدات فى الجيش، وهى تتبع قيادة المنطقة الوسطى ومهمتها تأمين تحركات المستوطنين، كما أنها تتولى عمليات خطف واعتقال أيضا، ووحدة الغيوم وهى الوحدة المعنية بالاتصالات والتجسس والمتابعة، وهناك وحدة جديدة أيضا مماثلة تسمى وحدة السايبر، فضلا عن الكتيبة 8200 المعنية بالتجسس الإلكتروني، والوحدة التقنية المتخصصة فى نسف الانفاق، التى استحدثها الجيش عام 2018 وتضم علماء من كافة التخصصات ومهندسين ورجال مخابرات.
كل الوحدات والفرق والكتائب الاسرائيلية مرقمة بأرقام محددة.
البرنامج النووى الاسرائيلي: كان امتلاك سلاح نووى أحد أحلام جيل المؤسسين الأوائل لإسرائيل، واستخدموا لتحقيق هذا الهدف العلماء اليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل مع بداية تأسيس الدولة ومن أهمهم الدكتور ارنست دافيد بيرجمان الذى تولى لاحقاً منصب مدير وكالة الطاقة النووية فى إسرائيل. وفى منتصف عام 1952 انشأت إسرائيل وكالة الطاقة النووية التابعة لوزارة الدفاع، وبالتعاون مع فرنسا وبمتابعة من جانب المكلف بالمشروع شيمون بيريز تم تطوير برنامج نووى إلى أن توصلت إسرائيل عام 1986 إلى صنع قنابل نووية تكتيكية وقنابل هيروجينية وغواصات ألمانية مزودة بصواريخ نووية.
والمفاعلات النووية الإسرائيلية هي: مفاعل ديمونة فى النقب، ومفاعل ناحال سوريك جنوب الرملة، ومفاعل كيشون فى الشمال، ومفاعل النبى روبين، ومفاعل كفار زكاريا فى منطقة الخليل، ومفاعل رفائيل فى حيفا، ومفاعل جيلبون قرب بحيرة طبرية.
تمتلك إسرائيل نحو 100 إلى 200 رأس نووى حسب بعض التقديرات، إلا أنها لا تعترف بامتلاك أسلحة نووية كما أنها لم توقع على معاهدة الانتشار النووي، إلا أن أحد الفنيين النوويين الإسرائيليين ويدعى مردخاى فعنونو قد خرق سرية البرنامج الإسرائيلى عندما اعطى صحيفة صنداى تايمز صورا وتفصيلات عن برنامج الأسلحة النووية الإسرائيلية وذلك فى عام 1986 «وقد تم القبض عليه فى الخارج بمعرفة الموساد واعادته إلى إسرائيل» كما أن وزير شئون القدس والتراث الإسرائيلى الحالى عميحاى الياهو قد هدد عام 2023 بتدمير قطاع غزة باستخدام القنبلة النووية، وذلك فى اعتراف واضح عن امتلاك إسرائيل أسلحة نووية.
أما برنامج الفضاء الاسرائيلي: فقد بدأ البرنامج بمحاولات عام 1961 إطلاق القمر شافيت 2 لدراسة الارصاد، فى حين يعتبر أساس البرنامج قد بدأ فى بداية الثمانينات مع إنشاء وكالة الفضاء الإسرائيلية، وفى سبتمبر 1988 أطلقت إسرائيل أول قمر اطلق عليه «افق 1» بهدف المراقبة وجمع معلومات، ووصل العدد الآن إلى 19 قمراً صناعياً، آخرها قمر اوفيك 19 الذى اطلقته أوائل سبتمبر 2025 من قاعدة بلماخيم وسط إسرائيل وأصبحت إسرائيل العضو الثامن فى نادى الدول المطلقة للأقمار الصناعية.
أثرت اخفاقات إسرائيل فى عملية طوفان الأقصي، ونتائج الحرب فى قطاع غزة عن تغييرات جوهرية فى العقيدة القتالية الإسرائيلية وفى هيكلية الجيش، وأدت إلى استقالة العديد من القيادات العسكرية، وارتفاع أعداد القتلى والجرحى والاصابات النفسية للجنود.. وغيرها، وسوف يتم تناول انعكاسات حرب غزة على الجيش الإسرائيلى فى الجزء الثالث من مقال النخبة العدائية.









