على مقهى هادئ في حدائق حلوان – تلك البقعة التى تعرف أخبار الدنيا قبل أن تبثها نشرات الثامنة – كنت جالسًا مع صديق لي. كنا نراقب أكواب الشاى وهى تبرد أسرع من بعض الوعود، ونتفق ضمنيًا أن السياسة فى مصر لا تُناقش فقط فى الصالونات المغلقة، بل تُعاش، وتتشكل ملامحها الحقيقية على المقاهى الشعبية.
سألنى صديقى وهو يقلب ملعقته ببطء:
«إيه رأيك فى الحكومة الجاية؟»
السؤال فى ظاهره بسيط، لكنه فى الحقيقة اختبار وطنى من نوع خاص. سؤال إن أجبته بحماس اتُّهمت بالتفاؤل، وإن أجبته بحذر صُنفت متشائمًا، وإن سكتّ… قيل إنك فاهم.
قلت له:
«المنشود يا صديقى حكومة تمشى جنب الحيط.. بس تعرف تنظفه وتصلحه».
ضحك متسائلاً: «يعنى إيه؟»
قلت: «يعنى لا تطيرنا بالشعارات، ولا تسيبنا غرقانين فى الواقع. عايزين شغل هادى.. مش دوشة».
على المقهي، المواطن لا يطلب المستحيل. لا يسأل عن فتح القسطنطينية، ولا ينتظر الأسعار تهبط بمعجزة. هو فقط يريد حكومة تفهم الشارع قبل أن تخاطبه، وتسمع الناس قبل أن تطلب منهم الصبر، وتتعامل مع الغلاء باعتباره ضيفًا ثقيل الظل يجب أن يغادر، لا قريبًا مدللًا نتحايل على بقائه.
قال صديقي:
«نفسى الحكومة الجاية تتكلم لغة مفهومة».
قلت: «دى أمنية قومية. الناس زهقت من مصطلحات تبدأ بـ(إصلاح) وتنتهى بـ(تحمّل). عايزين جملة واضحة: هنعمل إيه؟ إمتى؟ وإزاى؟».
الشارع المصرى – بعكس ما يُشاع – ليس عدائيًا. هو صبور بالفطرة، ذكى بالتجربة. يعرف أن التحديات كبيرة، لكنه يعرف أيضًا أن العدالة فى توزيع الألم تخفف الوجع، وأن أصعب القرارات تفقد قيمتها حين تُتخذ دون شرح أو حماية حقيقية للناس.
أشعل صديقى سيجارته وقال:
«عايزين حكومة ما تشتغلش موسمى».
قلت: «بالظبط. لا حكومة امتحانات، ولا حكومة مؤتمرات. حكومة دوام كامل. تشوف الحارة قبل العاصمة، والمصنع قبل المنصة، والمواطن قبل البيان».
فى حدائق حلوان، الاقتصاد ليس أرقامًا مجردة. هو رغيف، ومواصلات، وإيجار آخر الشهر. المواطن لا يريد مايُبهر المستثمر فقط، بل ما يُطمئن البيت المصري، ويشعره أن الدولة واقفة بظهره، لا تراقبه من بعيد.
وقبل أن نغادر، قال صديقى جملته الأخيرة:
«إحنا مش ضد الحكومة.. احنا مع اللى يريح البلد».
ابتسمت.
وفهمت أن الحكاية كلها هنا: الشارع لا يبحث عن خصومة، بل عن شراكة. لا يريد معجزات، بل حكومة عاقلة، وكلام صادق، وخطوة حقيقية كل يوم…
فبالحب، وحده، تُبنى الأوطان.









