لماذا لا يكون لدينا عيد للأسرة المصرية؟ سؤال بسيط فى صياغته، عميق فى دلالته، ومُلِحّ فى توقيته. فالأمم لا تُقاس فقط بما تحققه من إنجازات اقتصادية أو عسكرية، بل بما تحافظ عليه من تماسك اجتماعي، وبما تصونه من قيم داخل نواتها الأولي: الأسرة.
<<<
عرفت مصر عيد الأم، الذى خرج إلى النور بفضل فكرة إنسانية للكاتب الكبير مصطفى أمين، فتحوّل إلى مناسبة راسخة فى الوجدان المصري، تُجدد الاعتراف بدور الأم وتضحياتها. واليوم، نحن فى حاجة إلى خطوة أوسع وأشمل: عيد للأسرة المصرية بكل مكوناتها، باعتبارها الحاضنة الأولى للقيم، والمدرسة الأولى للوطنية، وخط الدفاع الأول عن هوية المجتمع.
<<<
ومن هذا المنطلق، أناشد الســيدة الفاضلة العظيمة انتصار السيسى أن تتبنى هذه الفكرة، وهى الأجدر بها، ليس من باب الموقع، ولكن من باب النموذج. فقد قدّمت سيادتها نموذجاً نادراً فى الصبر الجميل، والتجرد الأصيل، ونكران الذات، من أجل بناء ورعاية أسرة مصرية متماسكة، أصبحت – بفضل الله وتوفيقه – أسرة أولى وطنياً وأخلاقياً وإنسانياً، قبل أن تكون أسرة أولى بحكم الموقع.
<<<
أسرة خرج منها رئيس للجمهورية يحمل هذا القدر النادر من المبادئ والانضباط الأخلاقي، ويتحمل مسؤولية وطن بأكمله فى لحظة تاريخية شديدة التعقيد. وهذا ليس مجاملة، ولا خطاباً إنشائياً، بل قراءة موضوعية لتجربة أسرة نجحت فى تربية نموذج «القوى الأمين»، وهو الوصف الذى تختصر فيه كل معانى القيادة الرشيدة.
<<<
إن تخصيص يوم للأسرة المصرية، تحت رعاية كريمة، ليس احتفالاً شكلياً، ولا مناسبة بروتوكولية، بل رسالة عميقة المعني: أن الدولة تعى أن البناء الحقيقى يبدأ من داخل البيوت، وأن الإصلاح لا يُفرض من أعلى فقط، بل يُغرس من الداخل، فى علاقة الأب بابنه، والأم بابنتها، وفى دفء المائدة المشتركة، وفى الحوار الإنسانى الذى كاد يختفى تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وضجيج العالم الافتراضي.
<<<
صحيح أن هناك يوماً عالمياً للأسرة، وعيداً للأسرة العربية، لكن هذه المناسبات لم تجد طريقها الحقيقى إلى الوجدان المصري، وبقيت فى إطار البيانات الرسمية أو الفعاليات المحدودة. نحن نحتاج إلى يوم مصرى خالص، له رمزيته، وله طقوسه، وله حضوره الشعبي، لا يُفرض من فوق، بل يُحتفى به داخل البيوت.
<<<
عيد تجتمع فيه الأسر المصرية على مائدة واحدة، حتى لو كانت بسيطة، أو «طبلية» كما عرفناها، أو حتى افتراضية فى زمن الغربة والسفر. يوم يقدم فيه الأبناء هدايا رمزية لكبير الأسرة، ويستعيد فيه الجميع معنى البر، والاحترام، والانتماء. يوم تتصافى فيه النفوس من تراكمات القلق والضغط، ويتحدث الأبناء مع آبائهم بلا هواتف فاصلة، وبلا شاشات عازلة.
<<<
نحن فى أمسّ الحاجة إلى هذا الترميم الهادئ للروح الأسرية. فقد انتقل كثيرون – دون أن يشعروا – من العيش كأسرة إلى العيش كأفراد تحت سقف واحد، ثم إلى العيش فرادي، ثم إلى مرحلة أخطر: التوحد الاختياري، والارتماء الكامل فى العوالم الافتراضية، حيث العلاقات بلا دفء، والمشاعر بلا جذور، والانتماء بلا مسئولية.
<<<
إن الأسرة المصرية كانت دائماً صمام الأمان الحقيقى لهذا الوطن. هى التى صبرت فى الأزمات، وضحت فى الشدائد، وربّت أبناءها على حب الأرض حتى فى غياب المقابل. وحين ضعفت بعض المؤسسات، بقيت الأسرة واقفة، تحمى أبناءها من الانجراف، وتعيد إنتاج القيم جيلاً بعد جيل.
<<<
وأقترح – للنقاش والدراسة – أن يكون الرابع من يوليو عيداً للأسرة المصرية. فهذا اليوم هو اليوم التالى لنجاح المصريين، بكل أسرهم، فى مواجهة ظلامية الإرهاب، والحفاظ على الدولة من الانهيار. كان يوماً شعرت فيه كل أسرة مصرية أنها نجحت، وأن أبناءها انتصروا للحياة، وللاستقرار، وللمستقبل.
<<<
عيد الأسرة المصرية ليس ترفاً، ولا فكرة عاطفية عابرة، بل استثمار وطنى طويل المدي. استثمار فى الإنسان، وفى القيم، وفى التماسك الاجتماعي. وإذا أردنا دولة قوية، فعلينا أن نبدأ بأسرة قوية. وإذا أردنا مستقبلاً آمناً، فعلينا أن نعيد للأسرة مكانتها، ودفئها، ودورها الذى لا بديل عنه.
<<<
ما أحوجنا إلى يوم يعيد إلينا أنفسنا، قبل أن يعيد إلينا بعضنا.









